أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
190
التوحيد
معه للحال ، وقد لزمه فرضه حيث عيّر من قعد . وكذلك نجد القيام والصيام ونحو ذلك يكون له الخروج من ذلك بالبدل ، وإن كان قدرة حقيقة الفعل قد توجد بالجهد ، ثبت أن فرض الأشياء ليس بها ، ولكن بالأحوال . وعلى ذلك جميع العبادات ، من يعلم أن ليس معه السبب ما يتم به الصلاة أو الصيام أو الحج لم يكلف ابتداء ذلك . ثم كانت قوة الأفعال لا تبقى وما بها يحتم غير موجودة ، والتكلف لازم ، وكذلك الزكوات تجب بالأموال والأحوال وإن احتمل أن يتعذر عليه الدفع لأعذار ترد ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى ذلك مجيء السمع واتفاق الألسن على سؤال المعونة من اللّه والتقوية على ما أمر من العبادات ، فلو كانت هي موجودة أو العبادة تسقط لعدمها كان السؤال سؤال جور والأمر بكفران ما أنعم عليه من القوة ، ثبت بما ذكرنا لزوم التكليف دونه ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى ذلك قول شعيب : إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، أثبت تحقيق الذي قال بوجود الاستطاعة ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم في إثبات القدرة تحقيق المعنى الذي له أبطل القول باثنين ، وهو أن يقدر كل واحد منهما على نفي ما يريد الآخر إثباته ، أو يسر أحدهما ما لا يبلغه علم الآخر ، فمن أقدر العبد على ما لا يعلم اللّه أن لا يكون وعلى أن يجعله كاذبا فيما أخبر به ، وعلى أن يتلف ما أراد اللّه إبقاءه قدر على تسفيه اللّه وتجهيله وخلفه في الوعد ، ومن ذلك وصفه ليس بإله ، وبمثله نفوا قول الثنوية . مع ما في هذا أمر عجيب أن يكون اللّه يقوي أحدا على نقض ربوبيته ؛ إذ ملك تصييره كاذبا وقدر على جعله جاهلا ، وعن وفاء ما وعده عاجزا . وهذا النوع من الأقدار لا يفعله أسفه السفهاء ، فكيف أحكم الحاكمين ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى قول هؤلاء يكون للبشر قدرة نقض تدبير العالم ، وللرسل قوة أن لا يظهروا للّه حجة في الأرض ، وأن يمتنع كل منهم عن الوجه الذي عليه مضى تدبير العالم ، وهو مبني على كون أحواله على أيدي البشر وخلق الأرض والسماء ، واللّه تعالى لم يكن له قدرة على خلق تلك الأفعال والأحوال على أيديهم ، ولهم قدرة على أن لا يفعلوا شيئا من ذلك ، فإذا لهم عليه أرفع المنن وأعلى النعم ؛ إذ على القدرة في منع تقديره ونفاذ تدبيره فعلوا الذي به قام تدبيره وتم ملكه وسلطانه وعلى ما دبر وشاء ، وذلك أوحش قول وباللّه التوفيق . ثم وجود القول ظاهر في الخلق : لا أقدر لشغلي بكذا ، أو لا أستطيع بنقل هذا عليّ ولم يجز أن يكون اللّه ينطق ألسن الخلق على غير تمانع منهم بما هو كذب في الحقيقة ، وهم يعلمون أن معهم استطاعة الأسباب والأحوال ، فثبت أن وراء ذلك