أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

189

التوحيد

الاستطاعة ، فثبت أن المراد من ذلك استطاعة الأحوال والأسباب لا الأفعال ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أنه لا يجوز أن يكون اللّه تعالى يعير قوما بالعناد فيما يعلم أنهم لا يعلمون ، وأن دليل العلم به لم يظهر لهم ، وقدرة الاحتمال التي يتكلم فيها بمع وقبل وتبقى ولا تبقى ، ليس لأحد من العوام تصور في الأوهام ولا ترجع إليها عقولهم ، ثبت أن الرخصة والمعاينة في أهل النفاق فيما يدركون ويعرفون ، وأيّد ذلك قوله : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [ النساء : 25 ] ، وقوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] ، وهذا النوع مما أجمع على أن الخطاب لا يلزم دونه ، وأنه من الاستطاعات التي لا يعير من عدمها بترك الفعل ولا يخاطب به دون استكمال . وعلى ذلك تأويل قوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] ، وقوله : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 233 ] ، إنها مذكورة عند ذكر الأسباب والأحوال دون وقوع الأفعال . وعلى ذلك قول جميع من يحقق للعباد الفعل وهو النظر من وجهين : أحدهما إحالة الأمر باستعمال سبب ليس له ، وهذه أسباب : فيقال : أبصر ولا بصر ، أو مدّ يدك ولا يد ، والثاني أن الأمر والنهي إنما هما في إسداء الشكر وتحذير الكفران ، فلا يحتمل أن يفعل فيما لم يظهر ثمة نعمة ولا احتمل معرفتها الوسع ، ولا قوة إلّا باللّه . والدلالة على الاستطاعة الأخرى قوله تعالى : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [ هود : 20 ] ، وقول صاحب موسى : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف : 67 ] ، ثم قال : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف : 75 ] ، ثم قال : ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [ الكهف : 82 ] ، على تحقيق قدرة الأحوال ، نفاها إذ زالت الأفعال ، وكذلك قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] ، وغير ذلك . ثم الدليل على لزوم الكلفة دون حقيقة هذا النوع من القدرة السمع والعقل . فأما السمع فما أخبرت من الآيات على نفي الاستطاعة ، ثم الأمر والنهي والتعيير على ذلك إدراك العقل ، ثم الذي يوضح هذا أيضا قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] ، ومعلوم أنه لا سبيل إلى حقيقة الأفعال حتى يجد الزاد والرّاحلة ، ولو كان لا يجب إلا بوجود حقيقة القدرة قدرة الفعل لم يكن ليلزم أحدا ذلك ؛ إذ قدرة الأفعال هي التي تحدث على حدوث الأوقات ، والحج غير واجب حتى ترد هي ، وهي لا ترد إلا بقطع الأسفار ، فيكون له التخلف إذ هو غير واجب . وكذلك أمر الجهاد ؛ إذ لو علم أن الذي معه من قوة الأسباب لا يبلغه لم يعرض عليه الخروج ، ومعلوم أن قوة العقل بعد البلوغ ليست