أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
188
التوحيد
قدرة العبد أو استطاعته قال الشيخ رحمه اللّه : الأصل عندنا في المسمى باسم القدرة أنها على قسمين : أحدهما سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الأفعال ، وحقيقتها ليست بمجعولة للأفعال ، وإن كانت الأفعال لا تقوم إلا بها ، لكنها نعم من اللّه أكرم بها من شاء ثم يستأديهم شكرها عند احتمالهم درك النّعم وبلوغ عقولهم الوقوف عليها ؛ إذ ذلك حق القول في العقول ، وهو القيام بشكر المنعم ومعرفة حقيقة النعم والنهي عن كفران المنعم والجهل بحقيقة النعم ، ولولا ذلك لم يحتمل أحد الأمر والنهي ابتداء بلا سبق ما في العقل لزوم شكره واتقاء كفرانه ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني معنى لا يقدر على تبيّن حده بشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل ، لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه . وعند قوم قبله ، أعني فعل الاختيار الذي بمثله يكون الثواب والعقاب ، وبه يسهل الفعل ويخفّ ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الدلالة على قسمة الاستطاعتين قول اللّه تعالى : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً [ المجادلة : 4 ] ، وما قال : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ [ التوبة : 42 ] . ثم الدلالة على أن الاستطاعة استطاعة الأسباب والأحوال لا استطاعة الفعل وجوه : أحدها أن قوله : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [ المجادلة : 4 ] ، وإنما هو صوم شهرين ، ولا أحد يعلم أن قدرة الفعل لا ترده تلك المدة ، ثبت أن المراد من ذلك استطاعة الوجود . ومثله أهل النفاق ، لم يكونوا يعلمون الاستطاعة التي لديها الأفعال ، وإنما أرادوا بذلك المرض أو فقد المال على ما بيّن اللّه تعالى بقوله : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ [ التوبة : 91 ] إلى قوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ [ التوبة : 93 ] . ودليل آخر القول المعروف أن الاستطاعة الموجود منها لا يبقى إلى مدة شهرين ، ولا استطاعة فعل الجهاد تبقى من وقت كونهم بالمدينة إلى أن يلقوا عدوّا ، بل هي تتجدد وتحدث ، وقد لزمهم الخروج قبل العلم بأنها تحدث أوّلا ، وكذبوا بقولهم : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ [ التوبة : 42 ] ، وحققوا في الأول نفي