أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
176
التوحيد
وقد قال الكعبي : إن كل مختار في فعله مضطرا في تألمه به وتأذيه به ، فألزمه الأمرين في الشيء الواحد ، وكذلك زعم أن قد يجوز أن يعرف الفعل من لا يعرفه كفرا وإيمانا ، أو شيئا عرضا ، وحركة وسكونا ، وهو ذلك بعينه ، ولم يجز في الجملة أن يقال : الذي يجهله هو الذي يعلمه ، والذي هو مضطر فيه هو الذي هو مختار فيه ، حتى يذكر معه الجهات ، فمثله في الخلق والتعذيب ، وغير ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتج بالوعد والوعيد بذلك ، وإذ ثبت الأمر والنهي ، وبان إغفاله في تقديره ، وظهر تمويهه ، فكذلك شأن الوعد والوعيد ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم زعم الكعبي أنه محال أن يكون ذلك في الحقيقة فعلا لي خلقا للّه . قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : وهذا لجهله للمحال ، وقد بيّنا بعض ذلك . ثم زعم أن ذا يوجب الشركة المعقولة ؛ إذ محال انفراد كلّ بجزء ، وإن كان لا يتجزأ ، ثم عارض نفسه بقول الخصم أن ذلك يوجب فيما كانت الجهة واحدة ، فأما فيما اختلفت فلا . يعارض بملك ورث بعضه واشترى بعضه ، ثم عورض بملك لي ، ولعبد لي ، فأطنب في جواب ذلك . ونحن نقول ، وباللّه التوفيق : من تأمل الذي ذكر ، وله أدنى فهم ، ولا يكابر عقله علم سفهه ، وإن شاء استدل بالذي قدّم من الميراث ليعلم جهله بالشركة الحاضرة ، فيكون ذلك عذرا في الجهل بما كان طريقه الاستدلال ؛ إذ خفى عليه حق العيان . لكن هذا سؤال لم يزل المعتزلة تظن أن ذلك يوجب ذلك . وإن كانوا لا يستحقون الجواب في ذلك ، فإنا ننزع به عليهم ، فإنهم قصدوا بالقول قول من يقول : خلق الشيء هو ذلك ، ولا يوجد شيء واحد لاثنين في الشاهد لكل كلّه ؛ ولهذا الوجه أنكر أن يكون فعل واحد لاثنين ، فإذا لم يوجد له مثال يعلم أنه يوجب الاشتراك أو لا ، فقولهم يوجب ظن وخيال . ثم الأصل أن الفعل نفسه يجعلونه للّه ملكا ، وكذلك للعبد ، وكذلك كل ملك لأحد فهو للّه ملك وللعبد كذلك ، ولم يوجب ذلك شركا بينهما في ملك الأفعال والأعيان ، فكيف فيما نحن فيه شركاء ، ثم يضاف إلى اللّه الإطعام والكسوة والرزق ، وذلك بعينه يضاف إلى الخلق ، ولا يوجب شركا ، فمثله الذي نحن فيه . مع ما بيّنا جهات الفعل بم لم يقل الفعل نفسه من تلك الجهات مشترك ؛ إذ كل جهة تحيط بالكل ، وكذلك من يعلم الفعل من وجهه ويجهله من وجه لم نقل أشرك جهله علمه ، فما بالهم يزعمون أن ذا شركة معقولة ، بل لو كان ثمة عقل لكان يكون ذا كذبا معقولا ، ولا قوة إلّا باللّه . وكل هذه الوجوه على قول من يقول بخلق الشيء غيره ، يعلم أيضا إفساد دعوى المعتزلة . ثم يقال له : قد يقال في الشرك في قرية على تفرّق الأملاك ، وفي التجارة