أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

177

التوحيد

على تفرق المعاملات ، فقل بين اللّه وبين الخلق شرك في العلم ، ثم في الأفعال بما كان منه أمر وإقدار ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتجاجهم بالتسمية من المطيع والخاضع ونحو ذلك ، وقد بيّنا اختلاف الجهة على القولين والفعل على الآخر ، وإنما سمّي كل بالذي له على ما بيّنا من الجهات . على أنهم جعلوه خالقا للحركات ولفساد الأشياء ، غير مسمّى به ؛ لأنه خلق ، فمثله الأفعال ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض فعلا واحدا لفاعلين بقول واحد وخبر واحد . قال الشيخ رحمه اللّه : يجوزان في الشاهد ، قد يقال : هذا قول جماعة ، وخبر المتواتر وهو قول فلان وفلان وخبر فلان وفلان ، فلئن كان ذا أصله فيجب به جواز الآخر ؛ إذ به يلزم الآخر ، ولو كان ما يجوز في الشاهد هو دليل الغائب ليجب التفريق بين الفعل والقول في الغائب كما وجب في الشاهد ، وهذا يبيّن وهمه . ثم جائز القول بأن اللّه خالق كل شيء ، وهو خالق وما سواه مخلوق ، ولا يجوز أن يقال : هو قائل كل قول ، ولا مخبر كل خبر ، ولا هو مخبر وقائل ، وما سواه خبر وقول ، فدل أن أحدهما ليس بنظير الآخر . مع ما يجوز عندهم فعل كل واحد بقدرة هي فعل للّه تعالى ، ثم لم يجز في قول كل أحد وخبره أنه بقدرة هو قول للّه تعالى وخبر . ويقال له : إذا لم يسمّ هو متحركا بما حرّك غيره ، فقل أيضا إنه لا يسمّى خالقا بما خلق حركة غيره ، أو إذ فصل بينهما بالعموم والخصوص أو بما شئت فافصل بينهما . على أن المعنى الذي به سمي خالقا يوجد في فعل كل شيء ، والمعنى الذي به سمي قائلا لم يوجد ؛ لذلك اختلفا ، واللّه أعلم . وأيضا أن القول بالخالق يخرج مخرج التعظيم ، فكل ما هو أعم فهو أبلغ ، وبقائل لا ؛ لذلك اختلفا . فنذكر معاني إنكاره أيضا . ثم الأصل أن إنكار المعتزلة هذا بما لم يجدوا فعل أحد يخرجه غيره من العدم إلى الوجود ، وهو الأصل الذي له أنكر من أنكر خلق الأعيان بامتناعه في الشاهد عن الوجود في الحقيقة بفعل أحد ، بل لا يوجد فيه غير جمع وتفريق ، فأبوا أن يكون خلق أعيان الأشياء بذلك ، وبمثله أنكرت المعتزلة خلق الأفعال ؛ فلذلك نسبهم الأوائل إلى ذلك ، مع ما قولهم في التحقيق ذلك ؛ لأنهم حققوا الأشياء في القدم ، وجعلوا من اللّه إيجادها لا إحداث شيئيتها ، وكانت الشيئية لا به ، فيكون العالم عندهم في التحقيق حدثا عن أشياء ، لا أنه أحدث عن غير شيء ، ثم ذكروا في الكفر والإيمان أنهما شيئان ، كان من الفاعل إيجادهما ، لا جعلهما شيئين ، فصارا من حيث الشيئية ليس للعبد . ثم لا ينكر ذلك ، فما ينكر أن يكون من حيث الشيئية خلقا ، ولا يدفع ذلك ، ولم يوجب بذلك أنه عذّب لا لشيء ، ولا أنه عذّب