أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
175
التوحيد
الجهات في ذلك ، فجائز القول بالخلق من جهة هي غير جهة القول بالكفر ، على ما بيّنا من الشيئية . وقد زعم المعتزلة في حركة المفلوج أنها للّه خلقا وللعبد حركة ، وهي شيء لنفسها ؛ إذ الشيئية عندهم في المعدوم ، وهي دلالة حدث الجسم ، وفي الكفر حجة اللّه على العبد في التعذيب ودلالة سفهه في التحقيق . على أنا بيّنا أنه يحيل من حيث لا يكون مثل ذلك في الخلق ، وقد أوضحنا الفصل بين الأمرين ، وأن من قاس أحد الوجهين بالآخر فهو مغفل . على أن المعتزلة إذ لا يجعلون من اللّه إلى الخلق سوى أنه أوجدهم بعد أن لم يكونوا ، ولا ذلك معنى فعل العباد ، إنما هو معالجات وعناء وجهد ، والموجود فيما نحن فيه مع المعنى الذي من العباد واقعان جميعا ، فلا وجه لإنكاره . ثم يقال فيما لا يكون مثله من العباد ما يوجب إحالته : أرأيت لو عارضك إخوانك فقالوا : تجعل للذي ذكرته أصلا ، ثم كون الجواهر بالخلق محال ، ثبت قدمها به ، وكون فعل لا ينفع فاعله ولا يدفع عنه الضرر ليس بحكمة ، فدل أن الذي صنع العالم انتفع به ، وقال : كون شيء لا من شيء خارج عن احتمال الخلق ، فمثله أمر الواحد الذي به كان العالم . وإذا كان دعوى الإحالة توجب قول الزنادقة والدهرية في قدم العالم أظهر ذلك صدق من قال : الاعتزال طرف من الزندقة ، ولا قوة إلّا باللّه . وأما الدلالة ، فقد أوضحنا لمن عقل لو أنصف ، مع ما في جملة ما أدى المسلمون أن اللّه خالق وما سواه مخلوق ، وأنه قادر على كل شيء ، وهو رب كل شيء ، وإلهه من غير اضطراب في ذلك أو ميل قلب إلى خصوص ، في ذلك دليل كاف . وسنذكر أيضا بعض ما في ذلك . وأما القول بإيجاب الضرورة فإنه محال فاسد ؛ لأنه حسّي أن يعلم كل أنه مختار ، ولو جاز القول مما يعلمه كل على جهة قلبه لجاز ذلك في جميع العالم ، ولا قوة إلّا باللّه . فإن قلت : إذ لم توجب الضرورة دلّ أنه لا تدبير فيه لغيرك ، قيل : قد فرغنا عن دلالة ذلك ، مع ما يجوز أن يقال : هو من طريق الخلق اضطرار ، ولا صنع للعبد من ذلك الوجه ؛ إذ لا يسمى به ، ومن طريق الكسب اختيار ، فعلى ذلك تقسيم الأمرين ، وقد بيّنا . ألا ترى أن قول الكفر كذب ، وهو من حيث الدلالة على سفه القائل صدق ، فمثله يكون اختيارا من حيث الكسب ومن حيث الخلق لا ، وجهة الخلق لا تدفع عنه الاختيار بما ثبت ، فسواء لو كان خلق ذلك الفعل أو خلق السماء والأرض ؛ إذ ليس في واحد صرف فعل الخلق عن الخلق ، ولا إزالة الاختيار عنهم ، فمثله خلق الأفعال ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن تسمية الخلق لا يوجب وصف الاضطرار ؛ إذ القدرة للفعل مخلوقة ، وهي سبب جعله مختارا لا مضطرا ، ولا قوة إلّا باللّه .