أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

174

التوحيد

الإيمان والكفر ثم يقال له : حدثنا عن الإيمان والكفر ، هل يخلوان من أن يكونا شيئين عرضين وحركتين دليلين على حدث الفاعل ، وحجتين على حكمة الرجل وسفهه ، ومظهري علمه وجهله ؟ لا بد من بلى ؛ لما فيهما هذه الوجوه كلها . فيقال : هل الأمر والنهي بالفعل موجبا الأمر والنهي بهذه الوجوه التي في فعله ذلك ؟ فإن قال : نعم ، أحال ؛ لما في كفره دليل سفهه ، وهو من حيث الدلالة صدق ، ومحال النهي عنه من ذلك الوجه ، ولأن كثيرا منهم لا يعرفون تلك الصفات له لم يجز الأمر لذلك من ذلك الوجه ولا النهي ، فلا بد من المساعدة لهم في ذلك ، فيقال له : ما منع أن يكون ذلك خلق ، وليس في ذلك أمر لنفسه بالخلق ولا نهي ؟ ثم استقام في العقل الجهات التي بيّنا ، مع ما أوصاف الإضافات أن ذا أصغر من ذا وأكبر ، وأخير وأشر ، وأقبح وأحسن من ذلك وأعظم في الحجة وأوضع ، وأضعف وأقوى ، وأنه حدث وموجود ، وغير ذلك مما يكثر وصفه ، ولا يوصف شيء من ذلك بالشر والخير من جميع الوجوه ولا بالطاعة والمعصية ، فجائز خلقها ، ولا يوصف من ذلك الوجه بطاعة ولا معصية ، ولا خير ولا شر ، ولا أمر ولا نهي ، ولا شيء مما له الفعل ، واللّه الموفق . وعلى مثل ذلك أمر الوعيد والوعد ، إنا حققنا الفعل ، فلزم فيه الأمر والنهي ، فمثله يلزم الثواب والعقاب . ثم الأصل في هذا أن يكون القول بخلق الأفعال إما أن ينكر للإحالة أو لما لا دلالة على القول بذلك ، أو لما في القول به في إيجاب الضرورة وارتفاع الإمكان ويقبح في العقول الأمر والنهي والوعد والوعيد فيما كان هذا سبيله ، فمن أبى القول به للإحالة كلف دليله على ذلك ، ولن يجد إلا على التقدير بفعل العباد أن لا يكون فعل واحد في الحقيقة لا اثنين ، أو يظن أن القول يوجب الشركة ، فجواب الحرف الأول في تقسيم القول لما اختلف فيه ، فعندنا أن فعل اللّه تعالى في الحقيقة غير فعل العبد ، وفعل العبد مفعوله لا فعله ، ووجود مثله في الشاهد غير عسير نحو مد اثنين شيئا ينقطع ، وإزالة اثنين شيئا عن مكان ، وقبلهما واحد يصير به شركاء فيها إنه مفعولهما في الحقيقة ، وكذلك المزال والمنقطع ، وكذلك الحمل فيه جزء لا يتجزأ ، حمله اثنان قواهما واحد أن حقيقة فعلهما وإن اختلف فالمفعول واحد لهما ، فمثله الذي نحن فيه ، ولا قوة إلّا باللّه . على أنه لا يجوز أن يملك أحد بقوته آخر على فعله ، ولا خلق فعل نفسه ، ولا أحد يقدر أن يفعل فعلا في غير حيزه وغير حال في نفسه ، فمن تقدير فعل اللّه بالموجود من فعل الخلق جهل ، وشبهه من جهة القدرة وقيام الفعل بالخلق ، جل اللّه عن ذلك وتعالى . والقول الآخر قول من يقول ، إن خلق الشيء هو ذلك ، فقد بيّنا اختلاف