أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

17

التوحيد

عجيبة ودلالة بديعة مما يعجز الحكماء عن إدراك مائيته وكيفيّة خروجه على ما خرج ، وعلم كل أحد منهم بقصور على ما عنده من الحكمة والعلم عن إدراك كنه ذلك ، فهذه الضرورة وغيرها دلالة حكمة مبدعها وخالقها ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أنه لو جاز أن يكون العالم يبدأ من قبل نفسه بمرة لجائز أن يذهب كله بمرّة ، فإذا لم يكن ، بل كان على الاختلاف حتى لم يكن تختلف عليه الأحوال إلا بالأغيار نحو حي يموت ، ومتفرّق يجتمع ، وصغير يكبر ، وخبيث يطيب ، أبدا يتغير بأغيار تحدث ، فعلى ذلك جملته ، لا يحتمل أن يكون لا بغيره . ولو جاز ذا لجاز أن تتغير ألوان الثوب بنفسه لا بأصباغ ، أو السفينة تصير على ما هي عليها بذاتها ، فإذا لم تكن - ولا بد من عليم بنشئها ، قدير به يكون - فكذلك ما نحن فيه ، وباللّه التوفيق . ويبعد أيضا كون العالم بنفسه بما فيه من دلالة العلم بما هو عليه والقدرة عليه ، ومحال وجود مثله بعاجز جاهل ، فكيف بالمعدوم الفاني ، وباللّه التوفيق . ودلالة كون العالم لا من شيء هي حدوثها ، وقد بيّنا ذلك .