أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

18

التوحيد

مسألة [ دليل كون محدث العالم واحدا ] قال أبو منصور رحمه اللّه : والدلالة أن محدث العالم واحد لا أكثر السّمع والعقل وشهادة العالم بالخلقة . فأمّا السمع فهو اتفاق القول ، على اختلافهم على الواحد ، إذ من يقول بالأكثر يقول به على أنّ الواحد اسم لابتداء العدد واسم للعظمة والسلطان والرفعة والفضل ، كما يقال : فلان واحد الزمان ومنقطع القرين في الرفعة والفضل والجلال ، وما جاوز ذلك لا يحتمل غير العدد ، والأعداد لا نهاية لها من حيث العدد ، وفي تحقيق ما يعدّ يخرج عن النهاية العدد ، فيجب أن يكون العالم غير متناه ؛ إذ لو كان من كل منهم شيء واحد ، فيخرج الجملة عن التناهي بخروج المحدثين ، وذلك بعيد . ثم ما من عدد يشار إليه إلّا وأمكن من الدّعوى أن يزاد عليه وينقص منه ، فلم يجب القول بشيء - لما لا حقيقة لذلك بحق العدد - لا يشارك فيه غيره ؛ لذلك بطل القول به ، وباللّه التوفيق . وبعد ، فإنه لم يذكر عن غير الإله الذي يعرفه أهل التوحيد دعوى الإلهية والإشارة إلى أثر فعل منه يدل على ربوبيّته ، ولا وجد في شيء معنى أمكن إخراجه عن حمله ، ولا بعث رسلا بالآيات التي تقهر العقول ويبهر لها ، فتثبت أن القول بذلك خيال ووسواس . وأيضا مجيء الرّسل بالآيات التي يضطر من شهدها أنها فعل من لو كان معه شريك ليمنعهم عن إظهارها ؛ إذ بذلك إبطال ربوبيتهم وألوهيتهم ، فإذ لم يوجد ولا منعوا عن ذلك - مع كثرة المكابرين لهم والمعاندين ممن لو أحبوا وجود الإبصار لهم في إظهار آياتهم لوجدوا - فثبت أن ذلك إنما سلم للرسل ؛ لما لم يكن الإله الحق والخالق للخلق غير الواحد القهار الذي قهر كل متعنت مكابر عن التمويه فضلا من التحقيق ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم دلالة العقل أنه لو كان أكثر من واحد ما احتمل وجود العالم إلا بالاصطلاح ، وفي ذلك فساد الربوبية . ومعنى آخر : أنّ كل شيء يريد أحد ممّن ينسب إليه إثباته يريد الآخر نفيه ، وما يريد أحدهما إيجاده يريد الآخر إعدامه ، وكذلك في الإبقاء والإفناء ، وفي ذلك تناقض وتناف ، فدل الوجود على محدث العالم واحد . . . تدبيره .