أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

167

التوحيد

الأمر بذلك بلا معنى الفعل في الحقيقة لجاز اليوم الأمر بشيء يكون لأمس أو للعام الأول أو بإنشاء الخلائق ، وإن كان لا معنى لذلك في أمر الخلق . ثم في العقل قبيح إن انضاف إلى اللّه الطاعة والمعصية وارتكاب الفواحش والمناكير وأنه المأمور والمنهي والمثاب والمعاقب ، فبطل أن يكون الفعل من هذه الوجوه له ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن اللّه تعالى إنما وعد الثواب لمن أطاعه في الدنيا والعقاب لمن عصاه ، فإذا كان الأمران فعله فإذا هو المجزى بما ذكر ، وإذا كان الثواب والعقاب حقيقة فالائتمار والانتهاء كذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وكذلك في أنه محال أن يأمر أحد نفسه أو يطيعها أو يعصيها ، ومحال تسمية اللّه عبدا ذليلا مطيعا عاصيا سفيها جائرا ، وقد سمّى اللّه تعالى بهذا كله أولئك الذين أمرهم ونهاهم . فإذا صارت هذه الأسماء في التحقيق له فيكون هو الرب وهو العبد وهو الخالق والمخلوق ، ولا غير ثمّة ، وذلك مدفوع في السمع والعقل ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن كل أحد يعلم من نفسه أنه مختار لما يفعله ، وأنه فاعل كاسب ، فلو جاز صرف مثله مما طريق العلم به الحس ، وإبطاله نحو العلم لجميع العالم مثله ، وذلك مهجور ، فمثله قول أهل الجبر ، وهذا قول يغني الحكاية عن الإطناب فيه ؛ لما ليس له كثير اتباع ، ولما ليس لهذا القول معنى تكلم عليه صاحبه ؛ إذ هو ينفي عن نفسه حقيقة كل قول وفعل ، وإذا انتفى بطل القول ، وبه يناظر ويحاج فزال الذي به يكون الحجاج واضمحل . ومن الناس من عارضهم عند ظنهم وقوع التشابه بالعلم والوجود والكون وغير ذلك ، وذلك لازم لو كان ثمة عقل يحتمل الإدراك ، ولكنهم قوم أنكروا علم الضروريات وما هو في حد العيان ، فلا معنى لمناظرتهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ومنهم من حقق الأفعال للخلق ونفى عنهم التدبير فيها ، وأزال عنهم قدرة خلقها ، وصيّر مشيئتهم فيها كبعض ما تتمنى به الأنفس أن يكون حقائق الأشياء خارجة منها ، واحتجوا في ذلك بالأمر والنهي ثم الوعد والوعيد ، ومحال رجوع مثله إلى ما للآمر والناهي حقيقته أو عليه وعنده وله وعده على ما ذكرنا ، وتلوا ذلك آيات الأمر والنهي وذكر العقل ثم آيات الجزاء وهي بيّنة بحمد اللّه لمن قرأ القرآن . ثم هو قد سوعد على ذلك بما بيّنا في فساد قول المجبرة ، وقالوا في الإضافة إلى اللّه : إنها تخرج على وجهين سوى حقيقة الفعل : أحدهم بالسبب الذي كان منهم الأفعال مع الأمر بالخيرات والتخلية في الشرور ، وقد تضاف الأفعال إلى من له الأسباب وإن لم يكن حقيقتها له ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن الإضافة إليه عند المحنة بما له بها حال التصديق والتكذيب كما