أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
168
التوحيد
أضيف إلى القرآن زادهم إيمانا ورجسا ، وإلى الدعاء أنه زادهم نفورا ، وإلى القوم أن أنسوهم ذكر اللّه وإلى الأصنام أن أهلكن كثيرا من الناس بما عبدوا ، كانت أفعال البشر أولئك ، فمثله الإضافة إلى اللّه . وقد يحتمل الأحوال كما أضيف إلى الدنيا الغرور وإلى زينتها بما هي تظهر ما يكون مثله الغرور ، وإن لم يكن منها حق الفعل ، وكذا ما أضيف إلى القرى الخاوية على عروشها والقيود من النطق ، وإلى البهائم من الشكاية مما لو كانت تنطق بقول ، فمثله في الإضافة إلى اللّه ، بما منه من الإمهال وإظهار النعم الذي كاد أن يكون حجة لهم في الرضا بأفعالهم ؛ ولذلك ظنوا أن اللّه أمرهم بما هم فيه من الأفعال بالإمهال والتأخير ، ولا قوة إلّا باللّه . ومنهم من حقق الأفعال للخلق ، وبها صاروا عصاة تقاة ، وجعلوها للّه خلقا اعتبارا بما سبق من الإضافة إلى اللّه جل ثناؤه مرة وإلى العباد ثانيا ، والمذكور المضاف إلى العباد هو المضاف إلى اللّه تعالى لا غير ، بمعنى يؤدي إلى اختلاف الجهة في العقل نحو الإضلال والإزاغة ، والهداية والعصمة ، ثم الإنعام والامتنان ، ثم الخذلان والمدّ ثم الزيادة من الوجهين ، ثم الطبع والتيسير ، ثم التشرح والتضييق ، ومحال وجود هذه الأحوال ، على وجود مضادات ما يوصف بها ، وإضافة الاهتداء والضلالة ، والرشد والغيّ ، والاستقامة والزيغ إلى الخلق ، وكان في وجود أحد الوجهين تحقيق الآخر ، إذ لا يضاف الذي أضيف إلى اللّه مطلقا ، مع إضافة أضداد الواقع عليه معانيها ، ثبت أن حقيقة ذلك الفعل الذي هو للعباد من طريق الكسب ، وللّه من طريق الخلق ؛ دليل ذلك أن فعل اللّه تعالى في التحقيق خلقه ، وكل ذلك لو أضيف إليه باسم الخلق لم يفهم منه في ذلك غير إنشاء ، وفهم من الذي منهم من العبد فعله وكسبه نحو أن نقول : خلق الشرح والضيق ، وخلق الضلال والاهتداء ونحو ذلك ، فمثله الأول . مع ما لو جاز صرف أحد الوجهين عن حقيقة المفهوم أو الأسباب أو الأحوال فالآخر مثله ، وكل ذلك مجاز لا حقيقة ؛ ولذلك جاء مقابلة القولين من الجبرية والقدريّة ، وهذا معنى ما روي من لعن المرجئة والقدرية . إن المرجئة أرجأت الأفعال إلى اللّه ولم تجعلها للعبد ، والقدرية أثبتتها للّه على ما تنسب الخلق إلى اللّه تعالى ، ولم تجعل للّه فيها تدبيرا . والعدل هو القول بتحقيق الأمرين ؛ ليكون اللّه موصوفا بما وصف به نفسه محمودا به كما قال : ذلِكُمُ اللَّهُ . . . خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ، وقال : فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأنعام : 17 ] ، وليكون عدلا مفصلا كما قال : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] ، وقال : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 83 ] . ثم الدليل على لزوم القول بهذا - مع ما فيما بينا كفاية - وجود أحوال في أفعال