أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
164
التوحيد
من الكفّ فيما يجب ذلك والإقدام فيما يلزمه ، ومن حمل المبهم على المفسّر ، لزم المحكم وعرض المتشابه عليه ما أمكن أن يكون ما فيه مما يلزم تعرّفه ومما إليه حاجة بأهل المحنة ، أو ترك الخوض في ذلك فيما أمكن الغنى عن تعرف حقيقة ما فيه ، فيكون محنة الوقوف ؛ إذ اللّه تعالى يمتحن بوجهين : بالتسليم مرة وبالطلب ثانيا ، وإنما على العبد الطاعة في قدر الأمر ، ولما جمع جل ثناؤه كتابه على الأمرين يعرف الناس الدين ، أقروا بالكتاب أنه حق من عند اللّه لا يسع العدول عنه ، وأن من لزمه أفلح ونجا ، ومن مال عنه شقى وخسر ، حتى ظن كل فريق أنه قد أصاب المحكم من ذلك ولزمه ، وأن عليه فيما ذهب إليه خصومه أن يقف في ذلك أو يجمله على ما تقرر عنده فيما اعتقده ، فألزم تفرقهم الحاجة ، كلا يعرّف المحكم من المتشابه لزوم العلم بالمتشابه أن لا يتناقض المحكم منه . ثم معلوم أنه لا يحتمل القرآن الاختلاف ، وبه وصف اللّه أنه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . وفي العقل إن تناقض أدلة من له الأدلة ، وهو دليل سفهه وجهله ، فثبت بذلك أن الذي له تفرقوا ليس من حيث القرآن ، ولا لما ليس فيه بيان ، بل دل تكليف الرد إلى القرآن ولزوم اتباعه على أن فيه بيان ذلك ، وإنما خفي المحكم على من لم يبلغه لمعان : إما ميل طبيعة الجوهر إلى ما يتلذذ به ، أو لإلف بعض ما اعتاده ، أو لتقليد من وثق به ، أو لتقصير في الطلب ، أو لثقة منه بعقله أحب أن يسوى عليه حكمة الربوبية دون أن اتبع عقله ما ألقى في سمعه ، فصار به المحكم عنده متشابها ، أو لتقصير في البحث ؛ إذ الوجوه التي هي وجوه الشبهة على الذين عدلوا عن التوحيد على شهادة كليّة الأشياء له بذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وأصل ذلك أن اللّه تعالى خلق البشر على طبائع تميل إلى الملاذ الحاضرة وتدعو صاحبها إليه ، وتزيّنها في عينه بما ركّب فيه من الشهوات إلى ما إليه مثل طبعه ، وهي تنفر عما فيه ألمه وتعبه ، فيصير طبعه أحد أعداء عقله في التحسين والتقبيح ، وإن كان ما حسنه العقل وقبحه ليس له زوال ولا تغيّر من حال إلى حال ، وما حسنته الطبيعة وقبحته هو في حد الانقلاب والتغير من حال إلى حال بالرياضة والقيام على ذلك بالكف عما ألفه ، والصرف إلى ما ينفر عنه يحسن القيام عليه ، على ما يحتمل الطبع قبوله نحو المعروف من أمر الطيور والبهائم ، إنها بطبعها تنفر عما أريد بها من أنواع منافع البشر ، ثم يحسن قيام أهل البصر بذلك لصير مما طبع عليه بالميل إليه كالمستوحش ، ومما طبع على النّفار عنه كالمطبوع عليه . وعلى ذلك أمر نفار الطبع عن القتل والذبح في البشر ، ثم سهولة ذلك عليه في الحيوان . وما يدرك حسنه بالعقل وقبحه ، فلا يزال يزداد على ما فيه إدراكه ببديهة الأحوال ؛ ولذلك جعل اللّه العقول حجة ، لا ميل الطباع ؛ إذ أجرى قلمه على أهلها ،