أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

165

التوحيد

وإن شاركوا في الطباع غيرهم ممن ليست لهم عقول سليمة ، وألزم أهلها اتباع ما أراهم العقل حسنه ، وإن كان في الطبع النّفار واجتناب ما في العقل قبحه ، وإن كان في طبيعة الجوهر قبوله ، إذ العقل يرى صاحبه على حقيقة ما عليه الشيء ، والطبع - أعني طبع الجوهر - لا يوضح ؛ ذلك أن طبع الجوهر لا تبصّر به ولا يمثل غير الحاضر ، والعقل يدرك به ما حضر وغاب ، وبه يحضر على الطبع ما غاب ، حتى يصير له كالشاهد مما يكرهه ويتلذذ به ، وعنده تسهل المحنة وتخف مؤن الذي يكرهه الطبع . وعلى ذلك تقدير الكلام والعبارات إنها وإن كانت تختلف في الحسن والقبح على الأسماع فإنها لا تغيّر في الحقوق ؛ إذ هي تتغير ، ويجوز أن تؤدّى عبارة واحدة بلسانين يكون أحدهما أحلى من الآخر ، والحسن لنفسه والحق لا يختلف لاختلاف المعبّرين ، فلهذا لم يقدّر حسن الأشياء بطبع الخلقة ولا بحسن العبارة ، وإنما قدّر بالعقل الذي لا يرى الحسن قبيحا . وهو الأصل الذي يلزم تسوية كل أمر من الأمور عليه ، وذلك كعلم العيان الذي لا يحتمل التغير ، ولا يناقضه جهل ، فيكون هو أصلا لكل خفي مستور ، وكذلك أمر العقل وما أراه أصل لكل أمر مطبوع ، ولما بيّنا من مخالفة الطبائع في التزيين المعقول وفي التقبيح تعذر على كثير من الخلق إدراك ما أراهم العقل والطبع ، فصار بذلك المحكم عندهم في صورة المتشابه ، والمتشابه في صورة المحكم ، وهكذا أريد درك كل شيء بغير سبيله ، فنسأل اللّه أن يعصمنا عن رؤية الباطل بصورة الحق ، والحق بصورة الباطل ، فإنه قوي مدبر قدير .