أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

160

التوحيد

قال الشيخ : من عرف الله حق المعرفة وعلم غناه وسلطانه ثم قدرته وملكه في أنه له الخلق والأمر عرف أن فعله لا يجوز أن يخرج عن الحكمة ، إذ هو حكيم بذاته ، غني عليم ، والذي به الخروج عن الحكمة في الشاهد ويبعث صاحبه عليه جهله أو حاجته ، وهما منفيان عن الله ، فثبت أن فعله غير خارج عن الحكمة . وعلى ما ذكرت يبطل أن يكون فعله في الحركة أو السكون ، إذ هما حاجتان يحلان في صاحبهما فيبلغه أحدهما إلى تأمل نفسه من الراحة والسلوى ، والآخر إلى ما يبلغه الهمة والرغبة ، إذ لا سبيل له إلى مقصوده إلا بالتحرك والزوال ، ولا إلى دف الإعياء والتعب إلا بالقرار والسكون . فأما الله سبحانه إذ ثبت غناه وقدرته بطل أن يعتريه حاجة أو يعتريه همة . وعلى ذلك لما ثبتت قدرته وسلطانه وعلمه بطل وصفه بأن لا يقدر على فعل شيء ابتداء لا عن شيء ، إذ ذلك علم الحاجة وآية الضعف . حاجة جميع ما يحس ويبلغه علم البشر هي الدلالة على تقدير العالم ، وعالم به قدير غني ، لم يجز إزالة ذلك بالذي عرف غناه وقدرته وحكمته وعلمه ، ولا قوة إلا بالله . فلذلك لزم القول بضرورة العقل لجواز كون العالم لا عن شيء ، وخروج فعله على الحكمة ، وإن عجزت عقول حكماء العالم عن إدراكها لخروج وجه الحكمة عن نهاية قوة عقولهم ، على ما بينا من كون شيء لا عن شيء ، ومن جواز فعل ممن لا ينتفع به ، وبذلك تظهر حقيقة الأمر له ، وأن له الخلق والأمر ، ولكل ذي ملك أن يفعل في ملكه على قدر ما ملك منه ما شاء ، ولا قوة إلا بالله . ثم الأصل أن الجور والسفه قبيحان ، وأن العدل والحكمة حسنان في الجملة ، لكن شيئا واحدا قد يكون حكمة في حال ، سفها في حال ، جورا في حال ، عدلا في حال ، نحو ما ذكرت من شرب الأدوية ، ثم أكل الأشياء وشربها ، ثم إتلاف الأشياء وإبقاؤها من أنواع الجواهر ما للحاجات أو للمجازات أو لحقوق أو لنحو ذلك ، وإذ ثبت حسن الحكمة في الجملة والعدل ، وقبح السفه والجور ، ولزم وصف الله تعالى في كل فعل خلقه في أقل ما يوصف أن حكمة وعدل أو فضل وإحسان من حيث ثبت أنه جواد كريم غني عليم ، وبطل أن يلحقه وصف الجور والسفه ، لما كان سببهما الجهل والحاجة ، قد ثبت انقسام الشيء الواحد على الجور والعدل وعلى الحكمة والسفه سببهما الجهل ، وجائز خفى وجه ذلك على الناظر المتأمل ، أو هو بالحس يريد الاطلاع على العلم به ، وقد ثبت احتمال الوجهين ، لا يقع على واحد منهما الحس ، وعلم المتأمل ذلك ، بطل قضاؤه في شريعته ، على الإشارة إليه بالحكمة والسفه والعدل والجور ، فلزم بهذا جهل كل البشر لمعرفة حقيقة الأمرين في الشيء بالتأمل فيه أن يعرف جميع الأسباب التي بها تتغير أحوال المحسوسات على الحواس ، وإذا ثبت ذا بطل قول الثنوية بالاثنين ، فجهلهم بوجوه الحكمة في خلق الضار والنافع ، إذ قد يجوز أن يصير كل ضار في حال نافعا في أخرى . وبطل من يقول من المعتزلة أن كل