أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

161

التوحيد

فعل لا ينفع آخر فهو غير حكمة . مع ما لا يوجد ضرر البتة إلا وأمكن أن ينتفع به أحد إما من طريق الدلالة ، أو من طريق الموعظة ، أو ما فيه من تذكير النعمة وتحذير النقمة ، ومن تعريف من له الخلق والأمر في الخلق ، وغير ذلك مما يكثر ذكره ، ولا قوة إلا بالله . ثم الأصل الذي يجعل الفعل في الشاهد سفها أحد أمرين : إما تعدى الملك لا بإذن من له الملك لذلك الفعل ، أو لما فيه ركوب نهي ، ومخالفة الأمر ممن له الأمر والنهي ، وكل ذلك عن الله جل ثناؤه منفي ، ثبت أنه يتعالى عن احتمال لحقو هذا الوصف فعله ، ولا قوة إلا بالله . وليس ذلك كالكذب ، لأنه لا يصلح بحال ، كالفعل الذي ينقسم على الحكمة والسفه والعدل والجور ، وهذا من حيث الجملة لا انقلاب له ، ومن حيث الوقوع في شيء على الإشارة إليه ممكن فيه الأمران باحتلاف الأحوال والأسباب ، لذلك لزم وصف الله تعالى في الجملة بالتعالي عن فعل السفه والجور وفي الإشارة أيضا . لكن لا يجوز أن يوصف فيما ظهر فعله بالسفه والجور بما لا يبلغه علم البشر ولا يدركه عقل ، ولا قوة إلا بالله . ( ما يعلم به فساد الوصف بالجور والسفه ) ثم جعلة ما يعلم به فساد الوصف الجور والسفه والكذب وجهان : أحدهما قبح ذلك في العقول بالبديهة والفكر جميعا ، حتى لا يزداد عند التأمل والبحث عنه إلا قبحا ، ولا عند طول النظر فيه إلا فحشا ، وليس ذلك كالقبيح بالطبع ، إن ذلك يصير حسنا بالاعتياد وطول الصحة كالذبح وأنواع ذلك ، وكذلك نجد جواهر الدواب والسباع والطيور مستوحشة عن الناس بالطباع ، نافرة عما يراد بها من أنواع المكاسب والأعمال ، ثم تخرج عنها بالرياضة والتعليم حتى يألف بالذي كان تنفر عنه ، ويصير ذلك له كأنه الطباع المجبول ، ولا يكون الذي قبح بالعقل بهذا الوصف أبدا ، بل يزداد على طول النظر في شأنه . ثم على ذلك من احتمل فعله ذلك لا يوثق لوعده ولا يخاف وعيده ، ولا يرغب في خبره ولا يؤمن شره ، ومن ذا شأنه وعمله فمحال احتمال إضافة مثله إلى العليم الحكيم بذاته الغني بنفسه ، مع الوصف بأن لا يخفى عليه شيء ، ولا يصعب عليه أمر فيما أراد ، بل على قول المعتزلة لا يؤمن منه هذا ، إذ قد تخرج أكثر الأشياء عن إرادته ، ويوجد ما لا يريده في سلطانه منه بلا سلطان له في الإخراج عنه ، إذ لم يرده ، ويريد زيادة سلطان ، ويتولى ذلك أن يكون ، فيمنع عن ذلك ، نحو ما يريد أن يكون جميع خلقه مطيعين ، ويكون له في سلطانه وملكه الطاعة لا المعاصي فلا يكون ، ثم قد كان وعد لقوم مددا لأعماره ، وهو المبقي لهم إليها ، وكان في وعده أن يرزقهم إلى تلك المدد أنواع الرزق ويسوق إليهم أنواع الخيرات ،