أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

16

التوحيد

[ دليل ثبوت محدث العالم ] قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم الدليل على أن للعالم محدثا أنه ثبت حدثه بما بيّنا ، وبما لا يوجد شيء منه في الشاهد يجتمع بنفسه ويفرق ، ثبت أن ذلك كان بغيره ، واللّه الموفق . والثاني أن العالم لو كان بنفسه لم يكن وقتا أحق به من وقت ، ولا حال أولى به من حال ، ولا صفة أليق به من صفة ، وإذا كان على أوقات وأحوال وصفات مختلفة ثبت أنه لم يكن به ، ولو كان لجاز أن يكوّن كل شيء لنفسه أحوالا هي أحسن الأحوال والصفات وخيرها ، فيبطل به الشرور والقبائح ، فدلّ وجود ذلك على كونه بغيره ، واللّه الموفق . وأيضا أن العالم نوعان : حيّ وميّت ، وكل حي جاهل بابتدائه ، عاجز عن إنشاء مثله وإصلاح ما فسد منه وقت قوته وكماله ، فثبت أنه كان بغيره ، والميت أحق بذلك . وأيضا أن العالم لا يخلو كل عين منه إلى ما يحتمله من الأعراض قهرا ، وما اعترضه من الأعراض لا قيام لها ولا وجود دونه ، فثبت بذلك دخول كل واحد منهما تحت حاجة الآخر ، فيبطل أن يكون بنفسه محتاجا إلى غير به يوجد ويقوم ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن كل عين مما اجتمع فيه الطبائع المتضادة التي من طبعها التنافر لم يجز أن يكون بنفسه يجتمع ، ثبت أن له جامعا ، واللّه الموفق . وأيضا أن كل عين محتاج إلى آخر به يقوم ويبقى من الأغذية وغيرها مما لا يحتمل أن يبلغ علمه ما به بقاؤه ، أو كيف يستخرج ذلك ويكتسب ، فثبت أنه بعليم حكيم لا بنفسه ، وباللّه النجاة والعصمة . وأيضا أنه لو كان بنفسه لكان يبقى به ويكون على حد واحد ، فلمّا لم يملك دلّ على أنه كان بغيره . وأيضا لا يخلو كونه بنفسه من أن كان بعد الوجود ، فيبطل كونه به ؛ لما كان موجودا بغيره ، أو قبله ، وما هو قبله كيف يوجد نفسه ، مع ما لو كان به قبل الوجود لتوهم أن لا يوجد فيكون عديما فاعلا وذلك محال . ويشهد لما ذكرنا أمر البناء والكتابة والسّفن أنه لا يجوز كونها إلا بفاعل موجود ، فمثله ما نحن فيه ، وباللّه التوفيق . قال أبو منصور رحمه اللّه : وأصل ذلك أنه لا يعاني منه شيء إلا فيه حكمة