أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
159
التوحيد
مسالة أفعال الله زعم قوم من أهل التوحيد أن أكثر منتحليه خرج منه من وجهين : إما جهلا بواجبه ، وإما عجزا عم تلخيص القول فيه من مذهب الثنوية وسائر المحلدين . فزعم قوم أنه إذ كان كل مما يعقل لغير نفع فعله يقع فليس بحكيم ، ومن فعل فعلا لغير علة فهو عابث ، فظنوا أن لا يجوز لله أن يبتدأ فعل ضرر بأحد ، وأن ذلك يزيل الحكمة عنه ، فألزموه في كل فعل يفعله الأصلح لغيره في الدين والأحسن لغيره في العاقبة ، إذ هو متعال عن قول ينفعه أو عن أن يضره شيء ، فلم يروا له الفعل إلا بما ينفع غيره ، أو يدفع به الضرر عن غيره ، فيكون ذلك أيضا علة فعله ، على ما كان علة فعل كل حكيم منا ، ما تأمل من نفع عاجل أو آجل أو دفع ضرر لزم به ، فيجز بذلك حسن الثناء مع جزيل الثواب . وضربوا لتقدير فعله بفعل غيره مثلا بما لا يجوز أن يكون منه الكذب أو الجور ، أو يكون منه الحركة من غ ير زوال ، أو السكون من غير قرار ، فثبت أن تقدير فعله على فعل الحكماء في الشاهد لازم ، إلا أنهم دفعوا عنه الارتفاع بالفعل ، والانحطاط بترك فعل ما ، فأوجبوا بذلك أنه بفعله لا يجز إلى نفسه النفع ولا يدفع عنها الضرر ، فيجب أن يكون فعله لحكمة بما ينفع غيره أو يدفع عن غيره الضرر ، وجعلوا ذلك علة فعله ، ليخرج عندهم فعله عن معنى العبث . وبهذا الوجه خالفوا الثنوية ، إذ هم أبوا الفعل بغير نفع للفاعل فيه أن يكون من الحكمة ، فأثبتوا الفعل بجوهر الحكمة عند المزاج ، ليكون في خلاصه من جنس جوهر السفه ، فيصير فعله حكمة على التقدير بالشاهد ، مع ما كون شيء لا من شيء ممتنعا في الشاهد ، فأوجبوا لكلية العالم أصلا منه جعل وأنشىء ، لأنه لا فصل بين خروج الفعل عن حق الوجود في الشاهد ، فيلزم دفعه أن يكون ذلك من حكيم . فخالفهم أهل التوحيد في هذين ، ثم ألزم فريق منهم إياه ما في العقل علة لم يكن له العقل دونها لما وجدوا فعل مثله في الشاهد عبثا ، ألزموا في فعل المضار لو كان لغير نفع ، يعقب سفها على ما ذكرت الثنوية في فعل لا ينتفع به الفاعل . ثم تفرقوا ، فزعم قوم أنه لا ضرر في الحقيقة على المفعول به ، وإن سمع منه التضرع والشكوى . وزعم قوم أن عليه في الحقيقة ضررا ، لكن عليه أن يعوضه عن ذلك ، ليصير الفعل به حكمة ، كالموجود في الشاهد ممن يحتمل المؤن العظام وشرب الأدوية الكريهة مع القصد ، وقصد الخراج لتقع العواقب ، وليس له فعل الضار بغير إلا بعوض .