أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
152
التوحيد
علته لم يكن تعجب قطع معذرته ، قال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ [ طه : 134 ] ، قال : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ [ فاطر : 42 ] . فهذه الخمسة مما حاجّهم به في أحوالهم . ثم ما حاجّهم بما في أحوال النبي ، منها أنه نشأ في قوم لم يكن لهم كتب ولا دراسة ، مع ما لم يفارق قومه ، وما كان لهم كتب قد سبق له الارتياض في دراستها . ثم كان في ضمن تلك : لو طرأ عليهم طارئ لا يجهل مكانه ، وذلك قوله : أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [ المؤمنون : 69 ] ، وقوله : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها [ هود : 49 ] . وقد نشأ أمّيا ، والأمي لا يأخذ عن الكتب ولا يستطيع التحفظ من الأفواه غاية الحفظ ، إنما يكون ضبطه بصور معقولة روحانية يرتفع بها عن الوهم ، دليله ما لا يوجد عن مثله رواية الأشعار مخافة الغلط وغيرها ، ولذلك اشتد تعجبهم من حفظ القرآن ، وقال اللّه تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] ، وقال : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ [ القيامة : 16 ] ؛ ولذلك قال الموصوف بالحفظ إنه لأشد تعصبا من قلوب الرجال من النعم من عقلها ، قال اللّه تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ [ العنكبوت : 48 ] . وأيضا أنه لم يذكر عنه في سالف عمره التشاغل بنظم الكلام وتعاطي ضروبه ، ثم يمتنع عن مثله أن يتهيأ له ما يعجز عنه المعروفين بارتياضه ، دليله أنه لم يطعن بشيء من ذلك بل لما قيل بقوله قال لهم : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ يونس : 38 ] سكتوا ولم يدّعوا عليه إظهاره فيه ، قال اللّه تعالى : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ [ يونس : 16 ] . وأيضا أن اللّه تعالى أمرهم بتأمل أحواله ، هل يجدون ما يعذرهم في ترك الاكتراث إليه ، فلم يجدوا ، قال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ [ سبأ : 46 ] . وأيضا مما دعاهم إلى النظر في أموره أن هل يجدون فيه ما وجدوا في المتّسمين بصنعة الكلام من التصدي للملوك لنيل الدنيا ، بل عرضت عليه المطامع من الثروة والرئاسة ليرجع عن دينه مما لديه يعز البشر ، فلم يجب إلى ذلك ليعلم بالطبيعة المستمرة على ما فيه مخالفة الهوى وكفّ النفس عن الملاذّ ، إنه على ما راضه اللّه وأكرمه لدار كرامته ، دون الميل إلى شيء من حطام الدنيا ، وقال : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ ص : 86 ] . وأيضا ما حاجّهم بالدعاء إلى النظر في الأديان ليعلموا تمسكه بأحسن ما في العقول مما فيه لزوم اختيار مثله فقال : قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ [ الزخرف : 24 ] ، وقال : تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ [ آل عمران : 64 ] . وأيضا أنه تحداهم بالعجز عما أتى به من القرآن ليكون حجة له عند امتناعه