أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
153
التوحيد
عن وسع البشر ، مع ما وجدت الصناعة التي بها نباهة ورفعة من الكلام نوعان : أحدهما صناعة الشعر بالنّظم الرائع والتأليف المؤنق ، والثاني صناعة الكهانة بإفادة المعاني العربية من تقدمه القول على الأشياء الكائنة ، ثم وجد القرآن بنظمه مستعليا على ما جاء به الشعراء ، وبمعانيه على ما جاء به الكهنة ، فوجب أنه ليس من كلام البشر . وفي مثله احتجاج اللّه تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [ الإسراء : 88 ] ، وقوله : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ [ الحاقة : 41 ] ، وقوله : أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ [ طه : 133 ] ، وقوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ [ ص : 29 ] ، وقوله : قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ القصص : 49 ] . وأيضا ما أشار من التأييد الذي يظهر دعوته ويفلح حجته بما يبصّره على من شاقّه وحادّه ؛ إذ اللّه تعالى بعثه في أوان طموس من أعلام الهدى ودروس من آثار الدين إلى العباد لينقذهم من الردى . ثم لما أقامه هذا المقام الجليل والخطب الجسيم لم يخله عن نصره والتمكين له ليقوّي منّه عليه بما أكرمه من المقام بقوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] ، وقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] ، وبمثله سبقت كلمته لعباده المرسلين . ثم كان له أيضا من خصوص حال أن بعث إلى الناس كافة ، ووعد له الغلبة والنصر ليعلم أنه لم يرجع قوته إلى معونة بشرية يتوصّل بها طلاب دول الدنيا إلى بغياتهم من إرث ملك في حسبه أو قنية مال يستمتع بها ، كان كما قال اللّه : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 8 ] ، ولا عشيرة ، بل كانوا أشد الناس عليه وأجهدهم في إطفاء نوره حتى قد أخرجوه من بين أظهرهم طريدا وحيدا . ثم مع ذلك لم يدعو شيئا مما تسره إليه النفس إلا أتوه ، فلم يمل إليهم ، بل صبر على كل أذى واحتمل كل أمر صعب ، فما رضي منهم إلا بالإجابة له في الحق ، قال اللّه تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] ، وقال : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [ التوبة : 40 ] ، وقال : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [ التوبة : 25 ] ، وقال : وَما أَفاءَ اللَّهُ [ الحشر : 6 ] ، وغير ذلك من الآيات والأدلة الصادقة أنه باللّه قام وبه انتصر . وأيضا مما حاجّهم به ما ظهر من إنجاز الموعود في كل ما نطق به مما هو علم الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه ، ومن رام التوصل إليه ببعض حيل الإنسانية يضل حق ما جاء به في باطله وصدقه في كذبه ويحصل أمره على تمويه ومخادعة . قال اللّه تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ [ الشعراء : 221 ] ، فأخبر أن الكهنة يلقون ذلك من