أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
143
التوحيد
والثالث لو كان كذلك لاستقبلوا بالإنكار والدفع ، كفعل العرف ، لا بالخضوع والامتناع . على أن العرب أذكى الناس عقلا وأشدهم حمية ، وقد قاتلوا الشعراء بالأشعار أيضا . وبعد ، فإن التقريع كان به جميع البشر والجن ، وقد انتشر أمره وظهر في الآفاق . وأيضا فإن الذي حمله على ذلك وما جاء به نشأ بينهم ، وإن كان له معرفة ونظر مع نشوئه بينهم ، فذلك أيضا أنه له ، ولا قوة إلّا باللّه . وجواب الرابع أن اللّه تعالى إذا خصّ أحدا بقوة لا يشاركه فيها أحد يمنعه عن دعوى النبوة باللفظ كما منع من يظفر بحجر المغناطيس ، ولو علم أنه يدّعي لا يعطيه . والثاني أن لا أحد في شيء له فضل قوة إلا طمع غيره استتمام ذلك أو عمل ذلك النوع بقدر قوته ، والدليل ما يخرج من الطباع . وبعد ، فإنه لو كان له في ذلك فضل قوة بها عمل لكان لا يتمكن نيلها بهم ، وليست لهم ؛ إذ لا يوجد مثل ذا في شيء من الأمور ، دل أن اللّه جعل فيه ليكون آية لقوله . وسنذكر جمل هذه التأويلات بعد الفراغ من فصوله وقوله على البديهة ، فقد أمهلوا ، مع ما لم يحتمل أن يكون من البشر يعلم بفضل القوة ما تسأل عنه ، وقد تكلفوا الأشعار ثم نصب الحروب وجمع الأعوان وبذل الأعيان ثم اقتتال الأقران والمبادرات الفظيعة ، فلو كان وهمهم يحتمل القيام بذلك أيسر عليهم ، ثم قد دعوا إلى إتيان السورة ، نحو ثلاث آيات ، لو احتملها وسع البشر لكان ساعة من النهار كافية لذلك . [ فساد أقوال ابن الراوندي « 1 » في الرسالة ] قال الشيخ رحمه اللّه : احتج ابن الراوندي بما تقدم من الأغذية والسموم في إثبات الرسالة ، ثم قال : لا يخلو الأمر في الخبر إما أن لا يثبت البتة ، فيجب الجهل بالأيام الماضية والأماكن النائية والوقائع السالفة ، أو نقبل التواتر وما يضطر إليها فجب به إخبار الرسل ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر جمل ما يبين فساد طعنه من وجوه الحجج بالقرآن ؛ إذ هي من وجوه : أحدها بنظمه من غير أن كان فيه غريب مبتدع يخرج ذلك عن عرف العرب ، بل هو بأعذب لفظ وأملح نظم ، وقد احتملت العرب المؤن التي هلكوا فيها ، ولا يحتمل ترك الأمر اليسير مع التحدي والتقريع ، مع سلامة أحب الأشياء إليهم وهي الحياة وتبدل المهج مع ضنّهم بها إلا عن عجز ظهر لهم من أنفسهم طباعا أو امتحانا .
--> ( 1 ) سبقت الإشارة إليه .