أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

144

التوحيد

والثاني بيان جميع الأمور التي بها علم العلماء أهل الكتاب مع العلم بمن شهد رسول اللّه أنه لم يكن اختلف إليهم ، ولا كان يخطّ كتابا بيمينه فيحتمل استعادته ، ثبت أن ذلك كان بتعليم اللّه إياه . والثالث الإخبار بما يكون له من الفتوح ، ودخول الخلق في دينه أفواجا ، وإظهار دينه على الأديان في وقت ضعفه وقلة أعوانه وكثرة أعدائه ، فكان على ما أخبره القرآن ، وباللّه التوفيق . والرابع أن اللّه تعالى جمع في القرآن أصول جميع النوازل التي تكون إلى يوم القيامة ، دل أنه عالم الغيب حتى أعلمه أصول ذلك . وأيضا ما أظهر من موافقة القرآن سائر كتب اللّه ، وبيان نعت محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمته كقوله : الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ [ الأعراف : 157 ] ، وقوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . . . [ الفتح : 29 ] ، وقوله : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [ البقرة : 146 ] ، من غير اجتراء أحد منهم على إنكار ذلك ودفعه ، ثبت أن الذي أنزل هذه الكتب هو اللّه سبحانه فجعلها كلها متفقة ، على اختلاف الأزمنة وتباعد الأوقات ؛ ليعلموا أن القرآن من عند من جاء منه الكتب ، وأن الذي جاء منه الكتب قديم لم يزل حجته في الأولين والآخرين واحدا . وأيضا ما سبق من ذكر المباهلة ، وما كان من الأخبار أنه يسأل عن كذا ويستفتي عن كذا ، فكان على ما ذكر . على ما في القرآن من قصة الجن وتصديقهم وشهادتهم له بموافقة الكتب ، وباللّه العصمة . والأصل في هذا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعث في عصر لم يعرف فيه التوحيد بل كان عبّاد الأوثان والأصنام والنيران ، فجمع ما أنزل عليه من القرآن هو من أنجح ما لو اجتمع موحدو العالم من مضى منهم ومن يكون أبدا على إظهار أدلته ما احتملت بلوغ عشرها ، فضلا عن الإحاطة في ذلك الزمان الذي لا يقدر على موجد واحد ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن القرآن أنزل في عشرين سنة فصاعدا بالتفاريق ، ما خرج كله على وزن واحد من النظم ، وعلى موافقة بعضه بعضا ، مما لو احتمل كون مثله عن الخلق لم يمتنع من الخلق من الاختلاف في شيء من ذلك ، دل أنه أنزل من عند علام الغيوب ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتج في إثبات رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مع ما بينا بقوله لليهود : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [ البقرة : 94 ] بوجهين : أحدهما الوعد بأنهم لو تمنوا الموت لماتوا ، والثاني أنهم لا يتمنون أبدا ، ولا شيء أيسر عليهم من تمنى ذلك ، وبمباهلة النصارى والإخبار بوقوع اللعن ، ثبت أنه معلوم النعت في كتبهم .