أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
140
التوحيد
رأيت كثيرا من المعتقدين بطل اعتقادهم ، فلعل طبيعتك أرتك ذلك الفساد ، ويجوز أن يكون في الطبائع طبيعة نقية يدرك لذلك فيما اعتقدت ، ويظهر جهلك . فمهما قال من شيء فهو له - في جميع ما أنكر - جواب . وأصله أن كل من استخار الخروج من المعارف والتفوه بغير الموجود في الطبائع بلا شيء سوى أنه لم يكن أو لعلّه يكون ، أبطل سبيل تثبيت شيء البتة أو نفيه ، ويكون في حد الشّاكين في البيان كله ، ولا قوة إلّا باللّه . [ أصول دلائل إعلام الرسل ] ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان : أحدهما ظهور أحوالهم على جهة يدفع العقول عنهم الريبة وتأبى فيهم توهّم الظنّة بما صحبوهم في الصغر والكبر فوجدوهم ظاهرين أصفياء أتقياء بين أظهر قوم ، ما احتمل التسوية بينهم على ذلك ، ولا تربيتهم تبلغ ذلك ، على ظهور أحوالهم لهم وكونهم بينهم في القرار والانتشار ، فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاما شريفا ، ويجعلهم أمناء على العيوب والأسرار ، وهذا مما يميل إلى قبوله الطبيعة ، ويستحسن جميع أمورهم العقل ، فيكون الرّاد عليه يردّ بعد المعرفة ردّ تعنت له إما لإلف وعادة على خلاف ذلك ، أو لشرف ونباهة في العاجل أو لمطامع ومنال ، وإلا فما من قلب إلا ويميل إلى من دون هذا رتبته ومحله ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النوع الممتنعة عن أن يطمع في مثلها أو يبلغ بكنهها التعلم ، مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والاجتهاد فإن الرسل بما نشئوا لا في ذلك ، وربّوا لا به يظهر أنهم استفادوه باللّه ، أكرمهم بذلك ؛ لما يجعلهم أمناء على وحيه . ولهم أيضا معاني فاقوا بها السحرة ، على أن علم السحر أصله من السماء ، لكن الناس نسوا أصله وتوارثوه بالتعلم ، وكذلك المكاسب والحرف والصناعات كلها ، فمن أكرم لا بالوجه الذي هو طريقه في المعارف علم أن ذلك تخصيص لأمر عظيم . مع ما كان معهم معان يعلم بها أنهم مبعوثون أحدها ، أنها تخرج حقيقة تبقى ببقاء الخلقة ، والسحر هو شيء يأخذ البصر ثم يضمحل . والثاني ، أن آية الرسل تمنع أن يدعيها من ليس برسول ، فيتبقى معه إن كانت في جهة سحرا ، وما كان . والثالث ، أن أولئك الذين تكلفوا استخراج العجائب بالتعلم فهم قد مالوا إلى لو كان حقا لكان به غنى عن عرض الدنيا ، فكان معهم دليل الكذب . والرابع ، إن الرسل حملوا ما في الأنفس إنكاره ، ذلك من كفّها عن الملاذّ والشهوات وحفظها عن الذين بهم عزّ الدنيا وشرفها ودعاء أمثالها إلى ترك ذلك للّه . والخامس ، مخاطرتهم بالأنفس وبذلها في وقت ضعفهم وقلة أنصارهم من الخلق والتعرّض للجبارين بتنغيص ما هم فيه عليهم ، وإظهار القوة لهم من عند العزيز ، على