أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
141
التوحيد
ما علموا من سوء صنيعهم بالمخالفين لهم وبخاصة من يخافون منهم تفريق جمعهم وتشتيت أمورهم . وأيضا إنهم إلى ما في العقول بيانه ، وفي سياسات الملك حسنه ، وبما في توقيف الخلق عليه صلاحهم دينا ودنيا ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أنهم لم يقصروا في شيء دعوا إليه اجتهادا ، ولا روى في شيء من أمورهم هوادة ، ولا عرف في شيء من أخلاقهم نكير ، ولا في شيء من الأسباب التي بكل واحد مما فيها بعد الناس بذلك ما يوصف بالتمام من السخاء والشجاعة ومكارم الأخلاق والرحمة بالخلق والإشفاق عليهم ، وفي الزهادة في الدنيا وتحمل مؤن الخلق ، وغير ذلك مما يحق الميل إلى كل من فيه خصلة منها والتعظيم له لمكان ذلك ، فكيف لمن جمع الخصال المعروفة في المكارم مع حسن الأداء عن اللّه جل ثناؤه ، والصبر له فيما يصيبهم من المكروه مما لا يحتمل أن يكون شيء من ذلك يحتمل ، على تمكين الخلاص ببعض المداهنة . وفيهم أيضا وعد العواقب ورجوع الأمر إليهم ، فخرج الأمر على ذلك . وفيهم أنه لم يذكر عن أحد نظر إليهم بعين التبجيل واستمع إليهم بالنصح لأنفسهم إلا أبصروا الحق في مقالتهم ، ولا اتبعهم أحد فخالفهم إلا بعد العلم منه بإيثاره الدنيا على الآخرة والباطل على الحق . وكل الذي ذكرت كان لمحمد صلّى اللّه عليه ، مع غير ذلك من الآيات التي دامت له مما فيه إظهار نبوته ، وأنه خاتم الأنبياء ، منها هذا القرآن الذي تحدى به جميع الكفرة أن يأتوا بمثله وإن يعينهم على ذلك الجن والإنس ، فما طمع في ذلك إلا سفيه أخرق هجره قومه لسخفه ، وفيه أيضا بيان الحكم لجميع النوازل التي تحدث إلى يوم القيامة ؛ ليعلم أنه جاء من عند من يعلم الغيب وما يكون أبدا . وبما جاء له من البشارات في فتح البلدان وإظهاره دينه بين أهل الأديان . وما فيه من الإنباء عما كان ، مما يعلم الخلق أنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن يعلم ذلك ، ولا نظر في كتاب قط لتبقى له تلك الآيات . مع ما ذكر شأنه في الكتب السماوية حاج أهل الكتاب فلم يمكنهم إنكاره إشفاقا على أنفسهم ، بل قد باهلهم مباهلته اليهود بقوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [ البقرة : 94 ] ، والنصارى بقوله : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ [ آل عمران : 61 ] ، والجميع بقوله : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [ هود : 55 ] . وإظهاره إشفاقا ، وإظهاره الأمن عنهم والثقة باللّه بقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] .