أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
135
التوحيد
يحزنهم من الأمور المهمة للاستعانة برأيهم والصدور عن مشورتهم بما عندهم فضل في العالم . ثم تعليم فنون الآداب ، ثم قيام كل بما يستفيد أنواع العلم من درس الكتب والاستماع إلى الحكماء ، فدل ذلك أنهم لم يروا بعقولهم كفاية عن الاستعانة وأداء حاجاتهم جميعا ، لزم في العقل الفزع إلى ناصح صدوق ، وذلك ظن الخلق بأولئك ، إنه وصّل إليهم العلوم على ألسن هؤلاء . فعلى ذلك أمر الدين والدنيا ، وعلى ذلك علم السحر يعتبر جواهر الأشياء بأنواع المعالجات وعلوم محاربة أعداء الدين والأموال كلها مستفادة في الأمر الظاهر من الألسن ، وما عنها يوجد ، فأوّل ذلك تعليم يكون من العليم الحكيم . ثم مما يلزم القول بالرسالة بضرورة العقل هو أنه قد ثبت حسن معرفة المنعم والشكر له في العقل ، وقبح الجحود له والكفران بنعمته ، ثم ما من شيء تقع عليه حاسة من حواسه إلا وللّه عليه في سلامة حاسته وما أدرك نعم يعجز عن الإحاطة بها . ثم بعد هذا له عبارتان : إحداهما تفاوت استحقاق المنعمين الشكر ، وتفاضل أقدار النعم مما لا يبلغ علم أحد نهايتها إلا علم من أنشأها ، فعلى هذا لا يبلغ عقل بما به تمام شكرها إلا هو ، فيلزم العقل من يخبر عمن منه تلك النعم ، والأخرى أن تلك النعم إذ هي تفرقت على الحواس وأصابت كل جارحة منها ، فلزم استعمال كل جراحة في شكر ما له عليها من النعم . مع ما إذا أردت أن تعرف قدرها اعتبر بالمبتلي بالآفة بها لعلّة يخفّ عليه بذل الدنيا ، ثم كان ما بكل جارحة تؤدي من الشكر لا يعرف بالعقل ، فيلزم القول بمخبر يخبر عن اللّه . وأيضا إن اللّه إذ خلق البشر خلقا أمكنه استعمال كل جارحة منه بما جعل من اللين بالمفاصل يقبض بها ويبسط ويعطي ويأخذ ويتقلّب على مختلف الأحوال وينتشر في مفترق الأفعال مما لو لم يكن خلقه لاستعمال جميع ذلك في العادة لجعل فيه وسع العمل والنفع خاصة كالدواب والطيور ، فثبت أنه خلق للعبادة ، فلا بد من مبيّن مائيتها في كل جارحة . [ حاجة العقول إلى الرسل ] ثم الأصل في ذلك - مما يوجب ضرورة العقل الحاجة إلى الرسل - وجوه : أحدها وجود التنازع الظاهر بين الخلق على ادعاء كل منهم أحق بالحق وأولى بالإصابة ، واتفاق أن ليس فيهم من يفزع إليه ليحكم بينهم ، ويريهم بما به يتألف قلوبهم وتجتمع كلمتهم ، ومعلوم أن التنازع هو أصل كل فساد ومقدمة كل فناء ، وذلك كله قبيح في العقول ، فقد انتهت عاقبة العقول إلى من يعينها ويردها إلى ما جعلت هي له من الصلاح والمعرفة ، ومعلوم أن لا أحد أعلم بذلك ممن خلقها وأنشأها ، وفي ذلك لزوم القول برسول نعلم أنه من عنده جاء ، وباللّه التوفيق .