أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
136
التوحيد
ودليل آخر : إنه معلوم أن العلماء يتفاضلون في إدراك ما به مصالحهم في أمر الدين والدنيا ، يكون عند واحد من ذلك ما ليس عند غيره ، وإذا ثبت ذلك فلا ندفع أن يكون عند اللّه مما به صلاح عباده مما ليس عند خلقه ، فيوصلها إليهم برسله ، واللّه المعين . ودليل آخر : إنه لا يخلو الأمر من أن يرجع إلى ما يدعوه إليه غفلة ، أو يلزم على بعض الصدور عما أراه غيره ممن هو أرجح منه عقلا ، فإن كان الحق هو الأول ليجب الجمع بين العقول ، والقول لكل بالإصابة إذا قال بما أراه عقله ، وفي ذلك شهادة بإصابة كل ذي دين اعتمد على عقله ، وذلك محال لتناقض الآراء والقول ، وإن كان الوجه الثاني فيصير عقله كرسول يأتيهم من عند اللّه ، فيحتاج ذلك إلى دليل يعلمنا شخصه ، ثم لا فصل بين دليل يقوم بصدقه فيما يخبر عن اللّه أو بإصابة الحق في كل ما ينطق به عن عقله ، واللّه الموفق . فهذا مع ما يعلم أنّ الأشغال وازدحامها على العقول يلبسها ، فكذلك الهموم وأنواع ما جبل عليه البشر ، وكذلك أنواع الألم وأسباب لا تحصى مما يشغل العقول ويمنعها عن الإحاطة بالحق في كل لطيف وجليل ، وكذلك غلبة الشهوات وكثرة الأماني واللذات ، فلذلك لا بد من رسول اللّه ليبيّنهم ويدلهم - عند الاشتباه - على الحق ، ولا قوة إلّا باللّه . [ عجز العقول عن الإحاطة بالكل ] وقد بينا بحمد اللّه حاجة العقول للرسل ، والقول بهم ، وعجز العقول عن الإحاطة بالكل ، والأصل في ذلك وجهان : أحدهما أن اللّه تعالى جعل لكل مدرك آلة بها يدرك ، ثم هؤلاء تحيط ذاته دون أسباب تتصل به ، ثم مع ذلك تعترضه آفات يلزمه تفاديها بالمؤاذرة له من الأعوان والحفظ له من الأضداد التي هي أعداء تمنع ؛ ليشهد بحق الإدراك على العلم بمنع البعد ذلك واللطافة عن العمل حق العمل ، فعلى ذلك العقل ؛ إذ هو سبب مخلوق له حد كغيره من أسباب الإدراك ، يعترضه ما يعترض غيره ، مع غموض الأشياء واستغلاقها ، ومن مادته النظر في الأسباب ، أعلى ذلك مما يسمع من كلام الحكماء ، وأحقهم من له على حكمته برهان ، ولا قوة إلّا باللّه . وجه آخر : إن اللّه جل ثناؤه جعل السبب الذي به درك كل خارج عن الحسن وجهين : أحدهما الاستدلال بالذي عاين إذا اتصل الغائب بالذي عاين كاتصال دخان بالنار ، وضياء الشمس بها ، وكاتصال أثر الفعل بالفاعل نحو الكتابة والبنيان ونحو ذلك . والثاني الخبر ينبئ عن حال ذلك نحو البلدان النائية والأحوال المتغيرة والأمور النازلة ، معروف ذلك عند جميع العقلاء ، وبذلك معرفة الإنسان الأجناس والفصول والأنواع ، وأنواع الطب واللسان وعلوم الصناعات والحروب وغير ذلك . ثم نعرف