أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

132

التوحيد

مسألة [ ثبوت الرسالة وحكمتها ] قال الفقيه رحمه اللّه : تكلم الناس في الرسالة فأثبتها أئمة الهدى وقادة الخير وحكماء البشر ، وأنكرها من جهل صانعه ، ومن أقرّ ممن جهل أمره ونهيه ، ومن أقرّ بذلك ممن زعم أن في العقل الغنى عن الرسالة ، مع ما أمكن مقابلة آيات من ادّعى الرسالة بصنيع الكهنة والسحرة والمشعبذة . وبعد ، فإنه يحتمل ظهور عجز من حضرهم بما لم يكن في ذلك النوع تكلّف واجتهاد ، ولم يكونوا امتحنوا قوى الجميع . قال الشيخ : فنناظر من أنكر الصانع في إثباته ؛ إذ التنازع في إرساله لا يتمكن إلا بعد لزوم القول بهستيته وثباته ، مع ما أمكن الأمران جميعا بآيات الرسل ، إذ هم قوم نشئوا بين قوم عرفوا أحوالهم ، وقد كانوا أدركوا منتهى وسعهم ، فلما جاءوا بالآيات التي قهرت عقولهم - مع علمهم بأن وسعهم لا يحتمل إنشاء مثلها - لزم العلم بصدقه فيما أخبر من مرسله ، وأن تلك الآيات مما أنشأها من يكون رسالته من عليم حكيم قادر على إنشاء الأدلة على إثباته ؛ ليعلموه بها وإن لم يشهدوه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم من أنكر الأمر والنهي والوعد والوعيد لم يحصل لإنشاء حكمة ، وإنما حصل منه على الإنشاء ثم الإفناء ، ثم معلوم أنّ كل من ذلك عاقبة فعله ليس بحكيم ، فدلت حكمة صانع العالم - بما جعل فيه من الأدلة على وحدانيته وعظيم سلطانه - على أنه حكيم ، واللّه الموفق . مع ما كان اللّه سبحانه إذ هو غني بذاته حكيم في فعله خلق الخلق للبقاء إلى قدرة جعلها لهم ، ثم لم يجعل البقاء إلا بالأغذية ، وقد حبب إليهم البقاء ودوام الحياة ، فلو لم يجعل عليهم الأمر والنهي لبادر كل إلى ما يطمع فيه من البقاء ودوام الحياة ، مع ما له فيه من اللذة والشهوة ، ثم يفعل أقرانه بذلك الشيء نحو فعله فيحدث بينهم التنازع والتجاذب ، ويحملهم ذلك على التدافع وفي ذلك خوف الفناء بما به جعل البقاء ، فلزم جعل الحرمات والحلّ والأمر والنهي بما فيه من الوعد والوعيد ؛ ليعلم كلّ ما له مما ليس له ؛ فيسلم من كل عداوة وتبقى له روحه . ومن أنكر الأمر والنهي والمحنة ذهب إلى معنى المحنة في الشاهد ، إنما هو لظهور ما خفي وتجلى ما استتر ، والأمر والنهي لمنفعة ينالها الآمر والناهي أو مكروه يدفعه ، فإذا كان اللّه غنيا