أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
133
التوحيد
بذاته عليما بالسرائر والخفيات ذهب معنى المحنة والأمر والنهي . قال الفقيه رحمه اللّه : نقول ، وباللّه التوفيق ، إن كان أمره ونهيه ومحنته على ما يذكر فإن فعله لذلك يكون لمكروه يدفع أو محبوب يجلب أو عيب عنه يتخلى ، واللّه سبحانه أنشأ العالم لا للذي يذكر ، فمثله الأمر والنهي والمحنة ، مع ما كان ذلك التقدير إنما هو فعل المحتاجين مما يعلو درجاتهم وتجل أقدارهم ، ولو فعلوا غير ذلك كان عليهم في فعل ذلك ضرر عاجل وشر آجل ، فأما من هو حكيم بذاته ، غني ، فهو لا يفعل لنفع ولا لدفع الضرر ، فمثله الأمر والنهي . مع ما بينا من اختلاف الممتحنين في الغنى والحكمة لم يجز تقدير أحدهما بالآخر ، ولا يحتمل حكيم يفعل الشر لحكمة الربوبية ، فتكلّفه الذي ذكر خطأ . وبعد ، فإنه إذ جعل الخلق قسمين : ضارا ونافعا ، وجعل كل جوهر محتملا للألم واللذة ، لم يحتمل أن يجعلهم كذلك إلا لعواقب . يحذّرهم بها ويرغّبهم فيها من الوعيد بالشدائد والوعد بالملاذ ، وبذلك تتم الرغبة والرهبة ، واللّه الموفق . وبعد ، فإذ خلق الخلق ، وجعل البعض منافعا لبعض ، وإن لم يكن له في ذلك نفع لغناه ، وكذلك المضار ، فمثله يأمر وينهى بمنافع بعض ببعض واتقاء المضار ، مع ما يأمر بما ينفعهم ، كما خلقهم وجعل لهم ذلك ، وينهى عما يضرهم ، واللّه الموفق . وأيضا إن في الحكمة الأمر والنهي : إن اللّه خلق البشر في أحسن تقويم ، وسخر لهم جميع ما على وجه الأرض وبركاتها وبركات السماء من غير أن سبق منهم ما خرج ذلك مخرج المكافأة أو مخرج حق قضاه ، فلا يجوز في العقل إسداء مثل هذه النعم إلى ما لا يعرفها لما فيه تضييع وظلم النعم ، فلزمهم به معرفة المنعم ليعلموا من يستحق المحبة ويستوجب الشكر ، وفي ذلك لزوم المحنة ، ووصل بذلك الوعد والوعيد ليتم الرغبة والرهبة ، وباللّه التوفيق . وبعد ، فإنه قد حسن في العقول الصدق والعدل وقبح فيها الجور والكذب ، فجعل الفريق الأول عظيما في القلوب كريما ، والثاني حقيرا مهينا ، فيصير العقول آمرة بكسب ما يعلى شرف من رزق منها ، وناهية عما فيه هو أن صاحبها ، فيجب الأمر والنهي بضرورة العقل ، ثم الثواب ليتم الكرامة لمن اختار سبلها والقيام بوفائها ، والعقاب لمن آثر هواه على إشارة العقل . وفيما ذكرنا لزوم القول بالرسل ليدلوهم على معالم العدل والصدق ومضار ضدهما ، على الإشارة إلى كل شيء أشكلت مائيته ؛ ليكون أمر الأحوال للحمد موافقا ، واللّه الموفق . وبعد ، فإنه لا عاقل في الشاهد يرضى إهمال نفسه عن التعاهد ، ينهمك في الشهوات ، بل كل يجتهد على تسويتها على ما لا يضرها ، وعلى ما يحمد عواقبها ،