أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

13

التوحيد

وعلى ذلك طريق علم الاستدلال ، مع ما أنه لا يخلو الجسم من حركة أو سكون ، وليس لها الاجتماع ، فيزول من جملة أوقاته نصف الحركة ونصف السكون ، وكل ذي نصف متناه ، على أنهما إذ لا يجتمعان في القدم لزم حدث أحد الوجهين ، ويبطلانه أن يكون محدثا في الأزل لزم في الآخر ، وفي ذلك حدث ما لا يخلو عنه . وأيضا أن كل جسم لا يخلو عن سكون دائم أو حركة دائمة أو هما وما هو عليه منهما مدفوع إليه مسخّر به ومجعول لمنافع غيره ، وإذا كان ذلك وصف جواهر العالم التي لا توصف بالحياة ثبت أنها محدثة ؛ إذ هي لا على ما هي بنفسها ولكن على تسخيرها وتذليلها واستعمالها في حوائج غيرها وإذا ثبت ذلك في أصل الجواهر والأحياء الذين هم فيها وبها نقرّ وننتفع وهم مجبولون عن الحاجات والمنافع أحقّ بذلك ، واللّه الموفق . ودليل آخر : أنّ العالم لا يخلو من أن يكون قديما على ما عليه أحواله من اجتماع وتفرّق ، وحركة وسكون ، وخبيث وطيب ، وحسن وقبيح ، وزيادة ونقصان ، وهنّ حوادث بالحس والعقل ؛ إذ لا يجوز اجتماع الضدّين ، فثبت التعاقب ، وفيه الحدث . وجميع الحوادث تحت الكون بعد أن لم تكن ، فكذلك ما لا يخلو عنها ولا يسبقها ، أو كان إنشاء عن أصل لا بهذه الصفة أو انتقل إليها باعتراضها فيه ، فإن كان ذلك ثبت أن هذا العالم حادث ، وبطل قول من ينكر الحدوث ، وإن كان غير هذا ، فإن كان الأول هو المنشئ له فهو قولنا هو الباري وسمّوه هيولى ، وإن كان على الانتقال إليه فذهب الأول وصار هذا غيره ، فهذا محدث بما لم يكن هو الأول ، والأول محدث بما هلك لما انتقل إلى الثاني ، مع ما لا يكون شيء من شيء من أن يكون مستجنا فيه فيظهر ، أو محدثا فيه فيتولد ويخرج ، أو يتلف الأول فيكون الثاني . فالأول كالولد والشيء الموضوع في الوعاء ، ومحال كون أضعاف ما فيه فيما هو فيه ؛ لذلك يبطل القول بكون الإنسان من النطفة ، والشجر في الحبّ ، وعلى ذلك من يقول بالبروز بالقوة ، مع ما كان في ذلك إيجاب حدث ذاته ، لأنّ القوة عليه غيره إذ هو وجد بالفعل لا بالقوة ، أو تلف الأول نحو النطفة ثم النّسمة ونحو ذلك فيصير الأول هالكا حتى لا يبقى له الأثر ، والثاني حادثا حتى لم يبق من الأول فيه أثر ، وفي ذلك حدث الأول والثاني . فإن قال قائل : إذا جاز عندكم بقاء الأعيان في الآخرة بما لا يبقى ، لم لا جاز قدمها بما لا يتقدم ؟ قيل : لوجوه ، أحدها للتناقض وهو أن معنى الحدث هو الكون بعد أن لم يكن ، فالقول فيه بالقدم ينقضه ، ومعنى البقاء هو الكون في مستأنف الوقت ، معه غير أو لا ، لذلك اختلفا . والثاني أن القول بالذي ذكرت من البقاء إنما هو سمعي ، فإمّا أن تسلّم