أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
14
التوحيد
لي ذلك ، فيجب حدث الأعيان لما به عرفناه ، أو لا تسلّم ، فيبطل حجاجه بالسمعي على الإنكار به ، واللّه المستعان . وأيضا إن الشيء إذا لم يكن إلا بغير يتقدمه وذلك شرط كل الأغيار - فيبطل كون الجميع ، ولا كذلك أمر البقاء . ألا يرى أنّ من قال لآخر : لا تأكل شيئا حتى تأكل غيره - وكذا كل غير فيه ذلك الشرط - فبقي أبدا غير آكل ، ولو قال كلما أكلت لقمة فكل أخرى فهو يبقى أبدا في الأكل ، فمثله الأول . وعلى ذلك أمر تضاعف الحساب ، إنه إذا لم يجعل له ابتداء منه يبدأ لا يجوز وجود شيء منه بتّة ، وإذا حصل البداية يجوز أن يبقى فيه فيما يزيد ، ثم يزيد دائما ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما يذكر أوائل الحساب في كل عدد إذ به بلغ ذلك ولا يذكر نهايتها لذلك اختلفا . وأيضا أنّا لو توهمنا أن لا جسم ، وأنه يجوز وجود عرض قبل عرض ، لم يجز وجود شيء منه ؛ إذ لم يجعل له أوليّة وابتداء ، ويجوز الوجود أبدا بلا نهاية له ، فمثله ما لا يخلو عنه من الأعراض ، واللّه الموفق . وأيضا أن كل حركة أو اجتماع نشير إليه هو نهاية ما مضى من ذلك النوع ، فمحال وجود نهاية الماضي بلا ابتداء له ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن قد يوصف جسم بالبقاء مع بقاء واحد وإن كان ذلك البقاء لا يبقى ، ولا يوصف جسم مع حدث واحد لا يخلو بالعدم عنه ، فكذلك ما كثر منه . على أنّ حدوث البقاء في الجسم هو سبب إبقائه ويدوم بقاؤه على دوام تتابع البقاء فيه . ولا يجوز أن يكون سبب قدم الجسم حدوث عرض فيه ، فصار هو عديله وقرينه ؛ فلذلك لا يتقدّمه ، واللّه الموفق . وعارض بعض من يقول بهذا ؛ لما لا يوجد الشيء بلا لون ، ثم لا يجب أن يكون لونا . وذلك لا معنى له ؛ لما أنّ الحدث هو وصف الكون بعد أن لم يكن ، فإذا وجد غيره غير مفارقه - وفيه هذا الوصف - لزمه هذا الحكم ، وليس اللون بلون لمعنى يوجد في المتلوّن به ؛ لذلك اختلفا ، لكن جملة الجسم إذ لا يخلو من الألوان فلا يسبقها ولكن يسبق واحدا فواحدا ، وكذلك أمر الإحداث . ومن قال : لا يعلم صنع شيء لا من شيء فهو المقدّر بالموجود حسّا ، والمعارف نفسها خارجة عن الحسّ ، وكذلك القول بيجوز ولا يجوز . وكذلك ما يدّعي من التفرّق - لا الهلاك - لا نعرفه بالحسّ ، ثم قال به ، فمثله ما نحن فيه ، مع ما كان فيه عقل وسمع وبصر وروح وغير ذلك ممّا لا يدري ممّ صنع ، فذلك يمنعه القول بما قال . وأيضا إنّه إذا يكن أحد يخبرنا عن قدمه أو كان أزليا من جوهر العالم فلا وجه للعلم به إلا بالاستدلال .