أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
129
التوحيد
فيه ، فتفكر في ذلك فكرة ، فحدث منها إبليس . وقال بعضهم : أصابته بعينة فالتفت وراءه فرأى إبليس ، فصالحه ، على أن يمهله إلى مدة ، ووادعه على ذلك ، حتى إذا مضت المدة أهلكه اللّه ، فكان من إبليس كل شر ، ومن اللّه كل خير . وهذا الذي حكوا إن كان هو قولهم في الحقيقة فهم شر من جميع الثنوية ؛ لأن الثنوية قالت باثنين لما رأوا خلق الشيء لا عن شيء غير متصور في الوهم ، عظم عليهم القول بحدث العالم لا عن شيء ، ثم رأوا العالم مشتملا على خير وشر موصوفا كل من فعله الخير والعدل بالصفات المحمودة ، ومن فعله الشر والجور بالصفات المذمومة ، استعظموا نسبتهما إلى الواحد ، فيكون واحدا محمودا مذموما بما عليه العرف ، فقالوا باثنين قديمين . والمجوس قد استجازوا حدث العالم لا عن شيء وأصل ، وإنما عظم عندهم وصف من منه الخيرات بفعل الشر ، لم ألزموه فعل شر الشر صيّروه أمّه ؛ إذ الفكرة الردية شر ، وما حدث وهو إبليس شر وكان منه الأمران جميعا ، وهو السبب الذي دعاهم إلى القول باثنين فتناقض قولهم . مع ما لا يؤمن منه حدوث الفكر وقتا بعد وقت ، فيكون جميع الشر بذلك ، وإن أريد إحالة ذا دلّ وجوده مرة على دفع الإحالة إلا أن يقول بالخير ، فلعل بداه عن الفكرة التي هي شر . على أنه إذا وادعه على الترك إلى تلك المدة فأما إن لم يعلم أنه يعمل ما يعمل من الشر والجهل شر فهو شر آخر ، أو علم فتركه على ما علم من الفساد به ، فذلك منه شر ، ومثله إما أن يكون علم من قبل ما يعمل فكره ، ففكر على العلم بما يكون منه وهو شر ، وإما لم يعلم ، والجهل شر . ثم لا يخلو من أن يكون منه وهو شر ، وإما لم يعلم ، والجهل شر . ثم لا يخلو من أن يكون قادرا على منع إبليس وقهره أو لا ، فإن قدر ثم أمهله ليفسد الخلق فهو شر عندهم وإن لم يقدر فلا يكون العاجز رب العالمين . مع ما يقال : ثم علم أن إبليس عند المدة يفي له بالذي وعد ، وفاء الوعد خير وحق ، فإذا يكون من الشر خير . ذلك مع ما كان هذا لازما له ، إنه إذا كان ممن هو أصل الخير يجيء الشر ، فنعكس عليهم ونجعل كل خير من إبليس ، وكل شر من غيره . وبعد ، فكيف يأمن بالقدرة عليه في الوقت الذي لم يكن لإبليس غير نفسه عون وللذي به كان كل الأشياء أعوان ، ثم اختلط خلقه الذين هم أعوانه بالذين هم أعوان اللّه في منعهم عن المعونة عليه ، جل اللّه عما وصفه الملحدون . وإن قالوا : الموادعة كانت لبعض المصالح ، فمثله الهوام الضارة والأشياء المؤذية . وبعد ، فإن تخوفه من يضاده يوجب الجهل بأنه رب كل شيء ، وكذلك إصابة العين ، فإذا ضرّ به العين ، ومن تقهره العين ، وتزيل قدرته ، وتدفع علمه فهو رب بغيره