أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
130
التوحيد
لا بنفسه ، خالق بغيره ، فيلزم القول في معبودهم إنه عبد لا معبود . ثم لا شيء من تلك الجواهر المؤذية إلا وهي تنفع خلقا ، فلا تضر ولا تؤذي لأنفسها ، ولكن بمدبر حكيم عليم جعلها بحيث تؤذي أحدا وتنفع آخر ، ثبت أن القول بانفراد منشئ الشر بعيد . ثم إن لم يكن في خلق الشيء من غير شيء إلا خروجه من وسع الخلق وارتفاعه عن التصور فلا أحد امتنع عن القول بتحقيق مثله ؛ لأن إنشاء الجسم وكونه في الأرحام بالطبائع وحدوثه بحركات النجوم أو خروج العالم عن هذا الطبع وامتزاج النور والظلمة ثم التباين خارج عن الوجه الذي ذكر . على أن حقيقة كل شيء من تأمّله كذلك نجده ؛ لأنه ليس في النطفة ولا في جميع الأغذية ولا في الأرحام شيء من معاني البشر ، ثم مما له من العقل والسمع والنظر ، فإنما ذلك خارج عن ذلك بتقدير عليم حكيم . وكذلك جميع الطبائع المختلفة أو جواهر الخير والشر لو خلّي بينها وبين عملها ما ظهر بها جوهر ولا يمكن بها خلق ، فالقول بالكون بمثله أبعد عن التصور في العقل ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد بينا وجه الحكمة في خلق الجواهر المختلفة ، وأن فعل اللّه لا يوصف بذلك وإن أنشأها على ما عليه من قبح القبيح وحسن الحسن ، هو معنى الحكمة ووضع كل شيء موضعه ، وأن اللّه تعالى إذ لم يخلق لحاجات نفسه وإنما خلق بذاته ، إنه خالق ليكون الخلق الذي ركب فيهم العقول وجعلهم أهل المعرفة ، بالنعم والبلايا يمتحنون ، بوضع كل شيء موضعه والقيام بالشكر لما أنعم عليهم بأن جعل لهم جميع الخلائق على اختلاف جواهرهم أدلّة وعبرا ومحنة وابتلاء بمعاداة جواهر وموالاة أخرى ، وليعرفوا كيفية الاتقاء ووجه الحذر وما فيه الرّعب ووجوه المبادرة في ذلك للعواقب المحمودة في العقول ، وإبقاء [ . . . ] « 1 » لمكروهة فيها بما عاينوا من مختلف الجواهر والأحوال في حق الترغيب والترحيب ليكون الوعد والوعيد مقدرا عن الحس والعيان ؛ إذ ذلك طريق المعارف وبه يوصل إلى درك النهايات ، ولا قوة إلّا باللّه . ولو جاز إنكار الشيء لا من شيء بما لا يتصور في الوهم لجاز لكل مئوف الحاسة إنكار ما يدرك بها إذ هو غير مدرك إنكار كل غائب لم يبلغه الحاسة . وفي ذلك نقض المجوسية وغيرهم : إذ هم جميعا اتبعوا أوائلهم . ثم التصور في الوهم تقديره مما تقع عليه الحاسة ، إذا ارتفعت فتصور حال وقوع الحاسة في وهمه ، أو يقدّر مثله في الوهم . ثم اللّه سبحانه لم يعرف من طريق الحواس ولا له مثال في المعروف ، بطل التقدير به . ثم الأصل أن التصور في الوهم هو علم الحس ، أو في علم الحس دليل لزوم العلم بما لم يحس ، ولأن يعرف ؛ إذ كل ذي حس جاهل بمائية
--> ( 1 ) بياض في الأصل .