أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
128
التوحيد
متفرقة فامتزجت ، وأن كل جنس منها يحاذي الذي يليه كمحاذاة الشمس الظل نحو أعلى ، المتوسط يحاذي النور وأسفله الظلمة ، والجوهران عند الأوّلين كذلك في التحاذي . وقول الصابئين مثل قول المنانية إلا أن بينهما - كما زعم ابن شبيب - فرق قليل لا يحده . والمنانية زعمت أن النور يلقي الظلمة من الشمال ذاهبا في مهبّ الجنوب ، والظلمة تلقاه في مهب الجنوب ذاهبة في مهب الشمال ، وكانا متلاقيين على دخول بعض الظلمة فيه ، ولا يتناهيان من سائر الجهات . فتكلم هؤلاء بمثل الذي تكلم الثنوية . ثم لا يخلو الواسط من أن يكون تدبير كان منهما أمر العالم أو على الاجتماع حدث منه ، فإن كان بالتدبير بطل الامتزاج ، وأنّى يقع وهو بين النور والظلمة ، والظلمة من شأنها التّسفّل ومن شأن النور العلو وبينهما فاصل يمنع إلا أن يكون بالتدبير جمع بينهما وامتزاج هو بهما فكان أصل كل شر ؛ إذ كان من الامتزاج ، ولولا أنه مزج بينهما ما وجد أحدهما سبيلا إلى الآخر فيصير الأمر إلى أن مدبر الخير والشر واحد . وإن كانا هما غلبا بالطبع وقهرا الواسط حتى امتزجا فإذا لم ينفعه حسّه ودركه ؛ إذ صار تحت قهر ذي الطبع ، فكونه واسطا لا معنى له ، أو حصل الأمر على النور والظلمة . ثم قالوا : جعلوا الواسط متناهيا والآخرين غير متناهيين ، والمتناهي تحت غير المتناهي ؛ لأنه كالمقصر عن تمام ما ليس بمتناه كالقصير من الطويل ، والإنسان إن كانت الحياة التي في البدن فهي محسّة للبدن مستعملة له ، فيجب أن يكون الواسط هو الذي له تدبير العالي والسافل ، وهو المستعمل لهما ، فيصير الإله في الحقيقة واحدا أو يبطل الامتزاج وما ذكر من الخيال . ثم إشارته إلى الامتزاج - وهي حياته - خطأ ؛ إذ لا إنسان يعرف تدبير ابتدائه ، ولا أصلح ما فسد منه ، ولا دفع ما حل به ، ثبت أن المدبر واحد ، وهو غير الذي ذكر ، وأن الذي ذكر تحت تدبير الواحد . ثم لا فرق بين أن يحدث مزاجا لم يكن لا عن أصل هو امتزاج وبين أن يحدث [ . . . ] « 1 » لم يكن لا عن أصل البينونة ، ثم لا فرق بين إمكان تغيّر قد تم إلى احتمال الحوادث بعد أن لم تكن كذلك بقدرة قادر وبين أن يكون الحوادث به ، لا يقلب القديم إلى معنى الحديث ؛ إذ هما جميعا في البعد عن البصر في الوهم واحد ، وباللّه المعونة والنجاة . أقاويل المجوس وبيان فسادها قال الشيخ رحمه اللّه : قالت المجوس : أعجب اللّه حسن خلقه فتخوف ما يضاده
--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل .