أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

127

التوحيد

الخلق شرا أو خيرا ، ولا يجوز كون شيء في سلطانه لم يخلقه ، فيكون له شريك في سلطانه وعديل في خلق عالمه ، جل اللّه عن ذلك وتعالى . ونقول بأن خلق الخلق ليس هو ذلك الخلق ، وكذلك فعله ، ولا يوصف فعله بالشر والخير ، ولا يوصف بأن فعله خير وشر ؛ لأنه موصوف بفعله ، ولم يقل هو خيّر ولا شرير ، ومن فعله ذلك في الحقيقة فهو مسمى به ، ولا قوة إلّا باللّه . وما يجب في الحكمة خلق الجواهر المؤذية والمناظر القبيحة وخلق الآفات في الحواس أن البشر كلهم قد اعتقدوا شيئا غاب عن حواسهم ، إما نفي أو إثبات ، منهم من دانوا ، ومنهم من تجاهل وحصل على الشهوات ، فإذا لم يخلق فيما يقع على الحواس ما ذكرنا لم يعرفوا القبح من الحسن ولا المؤذي من النافع ، وإذا لم يعقلوا ذلك لم يحتمل عقولهم درك القبيح من الحسن ولا المؤذي من الملذ ، فخلق كذلك ليمثلوا بما تقع عليه الحواس ما لا تقع عليه ؛ ليصير كل معتقد غاب عن البصر على ما عليه معروفا بما يشاهده ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الذي ينقض على الثنوية على اختلافهم اتفقوا في جميع ما ينطقون به أنهم بجوهر النور ينطقون وبه يتقلبون ، فصار كل الاختلاف به إن صدقوا ، وإن كذبوا فصار كل الكذب به ، وإن صدق بعضهم وكذب بعض ، فثبت ممن هو من جوهر الظلمة تفضيل النور حتى اختار الانتساب إليه دون الظلمة ، وتفضيل ذي الفضل خير في شهادة العقول ، يلزم بطلان القول بأصل هو شر لا يجئ منه غيره ، وخير لا يجئ منه غيره ، ولا قوة إلّا باللّه . أقاويل المرقيونية « 1 » وبيان فسادها والمرقيونية قالوا بعلو النور وسفول الظلمة وبمتوسط بينهما ليس بنور ولا ظلمة وهو الإنسان الحسّاس الدّراك ، والإنسان عندهم حياة في البدن ، وأن هذه الثلاثة كانت

--> ( 1 ) المرقيونية أصحاب مرقيون وهم قبل الديصانية وهم طائفة من النصارى أقرب من المنانية والديصانية وزعمت المرقيونية أن الأصلين القديمين النور والظلمة وأن هاهنا كونا ثالثا مزجها وخالطها وقالت بتنزيه اللّه عز وجل عن الشرور وأن خلق جميع الأشياء كلها لا يخلو من ضرر واختلفوا في الكون الثالث ما هو فقالت منهم طائفة هو الحياة وهو عيسى وزعمت طائفة أن عيسى رسول ذلك الكون الثالث وهو الصانع للأشياء بأمره وقدرته إلا أنهم أجمعوا على أن العالم محدث وأن الصنعة بينة فيه لا يشكون في ذلك وزعمت أن من جانب الزهومات والمسكر وصلى للّه دهره وصام أبدا أفلت من حبائل الشيطان والحكايات عنه مختلفة كثيرة الاضطراب وللمرقيونية كتاب يختصون به يكتبون به ديانتهم ولمرقيون كتاب إنجيل سماه ولأصحابه عدة كتب غير موجودة إلا حيث يعلم اللّه وهم يتسترون بالنصرانية وهم بخراسان كثير وأمرهم ظاهر كظهور أمر المنانية ( الفهرست [ 1 / 474 ] ) .