أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
122
التوحيد
أبطل قوله بالتفرق وارتفاع النهاية ؛ لأنه لم يشهد ذلك ، فإن قال : علمنا بالرّسل ، قيل : إذ كان الرّسل من أجزاء النور والظلمة مانعة فما يدريكم أن يكون الظلمة منعت وسترت أغيارا فيهما غير الخمس فلم يعلم ، وإن زعم في الأول أنه يدرك بكل حاسة ما يدرك بغيرها فبطل قولهم : خمس حواس ، وحصل على الواحد ، ثم موجود العجز مع السمع ، وكذلك سائر ذلك ، فثبت به الاختلاف . ثم عورض بحواس الظلمة ، إنها إذا أدركت ما أدرك حواس النور ، وكل شيء على ما هو عليه ، كيف صار أحد الإدراكين خيرا والآخر شرا ؟ ثم عارض بالعفو عن الذّم إنه فعل من ؟ فإن قال : فعل النور ، فهو نفع عدوه ، وذلك شر ، وإن كانت من الظلمة فقد عفا ، فهو خير . والأصل إنا نجد في الشاهد جاهلا يعلم ومخطئا يندم وقائلا يرجع عن قوله ، فأما إن كان الثاني هو الأول فيثبت الفعلان المتضادان عن واحد ومن غيره ، فثبت كذب الخير بالوجوه الثلاثة ، وباللّه التوفيق . أقاويل الديصانية « 1 » وبيان فسادها قال الشيخ رحمه اللّه : وقول الديصانية مثل قول المنانية في الأصل ، لكنهم قالوا : النور بياض كله ، والظلمة سواد كلها ، والنور حيّ ، هو الذي مازج الظلمة وهي ميتة ، لما وجد من خشونتها في الجهة التي تلقاه ، فأراد الممازجة ليدبر تدبيرا يليّن ، وقد يخشن اللين كما يخشن الحديد عن المنشار إذا نقل بعض عن بعض بالمبرد ، فإذا ذهب الشق واستوت أجزاؤه لان . وقال بعضهم : لا ، بل تأذّى بها ، فدفعها عن نفسه ، فمازجها كمن يبلى بالوحل ، إنه إذا تكلف الخروج يزداد فيه ولوجا ، والحركة تكون من النور ، والسكون من ضده ؛ إذ هما متضادان ، فأوجبوا أصلين : نورا وظلمة ، وفرعين : حركة النور وحسّه ، وسكون الظلمة وعدم الحس ، من غير أن يبينوا شيئا سوى النور والظلمة .
--> ( 1 ) الديصانية إنما سمي صاحبهم بديصان باسم نهر ولد عليه وهو قبل ماني والمذهبان قريب بعضهما من بعض وإنما بينهما خلف في اختلاط النور بالظلمة فإن الديصانية اختلفت في ذلك على فرقتين فرقة زعمت أن النور خالط الظلمة باختيار منه ليصلحها فلما حصل فيها ورام الخروج عنها امتنع ذلك عليه وفرقة زعمت أن النور أراد أن يرفع الظلمة عنه لما أحس بخشونتها ونتنها شابكها بغير اختياره ومثال ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يرفع عنه شيئا ذا شظايا محددة دخلت فيه فكلما دفعها ازدادت ولو جا فيه وزعم بن ديصان أن النور جنس واحد والظلمة جنس واحد وزعم بعض الديصانية أن الظلمة أصل النور وذكر أن النور حي حساس عالم وأن الظلمة بضد ذلك عامية غير جاسة ولا عالمة فتكارها وأصحاب بن ديصان بنواحي البطائح كانوا قديما وبالصين وخراسان أمم منهم متفرقون لا يعرف لهم مجمع ولا بيعة والمنانية كثير جدا ولابن ديصان كتاب النور والظلمة كتاب روحانية الحق كتاب المتحرك والجماد وله كتب كثيرة ولرؤساء المذهب في ذلك أيضا كتب ولم تقع إلينا ( الفهرست لابن النديم [ 1 / 474 ] ) .