أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

123

التوحيد

قال الفقيه رحمه اللّه : ذكرنا أقاويلهم لتعلموا مقت اللّه ممن آثر عداوته ، وعدل عن طاعته ، ولم يتفكر في خلقه بفكر خاضع له مستغيث به ليوفقه لدينه ويفتح عليه باب الحق ، لكن مال إلى الدنيا ركونا إليها ورغبة في شهوات نفسه ، فوكل إلى نفسه ، ولم يعصمه من عدوه ؛ إذ لم يتضرع إليه ، ولا رغب في غير الذي مال إليه ، وباللّه نستعين . والأصل أن اللّه عز وجل يجعل هلاك عبده بالذي به يدعي جحوده ، ويعدل عن طاعته خوفا عن أمر يلزمه بأن يهلكه بلزومه فيما طمع الخلوص عنه . فهؤلاء لظنهم أن الذي يكون منه الخير لا يحتمل كون الشر منه صاروا إلى القول باثنين ، وبجعل أصل كل غير الذي هو أصل الآخر ، ثم صيّروا الذي هو أصل الخير عندهم هو النهاية في الشر ، والذي هو أصل الشر عندهم هو النهاية في الخير ؛ لأن هؤلاء صيّروا النور جاهلا بعواقب ما إليه يصير ، حتى كان على أحد القولين أراد دفع أذاه فبقي فيه ، لا يعلم أنه لا يقدر عليه ، ولا أنه يبقى في غاية ما رام دفعه ، ولا قدر على التخلص ، إذ بلي به ، والأول صار إليه ليلين خشونته ويدفع أذاه جهلا منه أنه لا يقدر عليه ، وعجزا أن يتخلص عنه . وكذلك على قول الماني إن الظلمة هي التي بغت على النور وألقته في حبسها وأوثقته بوثاقها حتى جهل مأتاه وعجز عن النجاة ، وبدوء كل خير ، ونهاية العلم ، والإحاطة بكل خير ، والبلوغ إليه إنما هو بالقدرة عليه ، فأزالوا الأمرين جميعا عن النور ، وحققوا للظلمة ، فصاروا إلى نقض جميع ما بنوا : إن الخير كله لكل ذلك ، فصيّروا النور خارجا من أعظم الخير ، والآخر عن أعظم الشر ، ثم حققوا الأمرين لواحد ، وله قالوا بالاثنين ؛ ليعلم هلاك كل فريق بالذي به ظن النجاة ، وباللّه التوفيق . مع ما لو كان لذينك الوجهين يجب القول بالاثنين ليجب القول بالأربع ، نحو الطبائع ؛ إذ هي متضادة ، كل يضرّ الكل ، ولو كان بهذا يقول بالأربع ، ليجب القول بالستّ ؛ بما لا يخلو شيء قائم عن جهات ست ، وذلك يوجب القول بالسابع ؛ لما كان حامل تلك الجهات لا يوصف بجهة سابقها ، أو بالخمس ؛ بما كان الذي فيه اجتماع تلك الطبائع هو الخامس ، لا يوصف بحرّ ولا برد . ولو كان كما تقول الثنوية ليجب القول بالثالث ؛ لما كانا ولم يكن العالم ، ولا خير ولا شر ، ومحال كون متباين بنفسه ، ممتزجا بنفسه لا يوجب الاجتماع والتناقض ، ثبت كون ذلك بغيرهما ، وبه كان كل خير وشر ، فيبطل قولهم من حيث راموا إثباته . ثم القول بالواحد لا يضطر صاحبه إلى القول بآخر بوجه . وأصل ذلك أن هؤلاء قوم لم تبلغ عقولهم المبلغ الذي يدرك به حكمة الربوبية في الأشياء ، وظنوا أن يكون الرب على صفتهم من الحاجات والشهوات واحتمال الآفات وشوائب العاهات ، فقدّروا أفعاله بالذي علموا الحكمة بأفعال أنفسهم ، ولو تأملوا ما هم فيه من الضرورات