أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
12
التوحيد
[ الدليل على حدث الأعيان ] قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : الدليل على حدث الأعيان هو شهادة الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من سبل العلم بالأشياء . فأمّا الخبر فما ثبت عن اللّه تعالى من وجه يعجز البشر عن دليل مثله لأحد : إنه أخبر أنه خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الزمر : 62 ] ، و بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 117 ] و [ الأنعام : 101 ] ، وأنّ له ملك ما فيهن . وقد بيّنا لزوم القول بالخبر . وليس أحد من الأحياء ادّعى لنفسه القدم أو أشار إلى معنى يدل على قدمه بل لو قال لعرف كذبه هو بالضرورة ، وكذا كل من حضره بما رأوه صغيرا ، ويذكر ابتداؤه أيضا . لذلك لزم القول بحدث الأحياء . ثم الأموات تحت تدبير الأحياء ، فهم أحقّ بالحدث ، واللّه الموفق . وعلم الحسّ ، وهو أنّ كل عين من الأعيان يحسّ محاطا بالضرورة مبنيا بالحاجة ، والقدم هو شرط الغنى ؛ لأنه يستغني بقدمه عن غيره ، والضرورة والحاجة يحوجانه إلى غيره ، فلزم به حدثه . وأيضا أن كل شيء جاهل يبدو حاله عاجز عن إصلاح ما يفسد منه في الحال التي هو فيها موصوف بالكمال في القوة والعلم إذا كان ذلك حيّا ، ولو كان ميتا فسلطان الحي عليه جار ، ثبت أنه لم يكن واحد منهما إلا بغيره ، وإذا ثبت الغير لزم الحدث ، إذ القدم يمنع الكون لغيره . وأيضا أن كل محسوس لا يخلو عن اجتماع طبائع مختلفة ومتضادة مما حقّها التنافر والتباعد لأنفسها ، ثبت اجتماعها بغيرها ، وفي ذلك حدثه ، واللّه الموفق . وأيضا أن العالم ذو أجزاء وأبعاض ، ويعلم أكثر أبعاضه أنه حادث بعد أن لم يكن ، ويعلم نماؤه واتساعه وكبره ، لزم ذلك في كلّه ؛ إذ لا يصير اجتماع أجزاء متناهية غير متناهية . وأيضا أنّ منه طيّب وخبيث ، وصغير وكبير ، وحسن وقبيح ، ونور وظلمة ، وهذه آيات التغيّر والزوال ، وفي التغير والزوال فناء وهلاك ؛ إذ معلوم أن الاجتماع يؤكّد ويقوّي ويعظّم ، دليله النشر ، وأنه إذا تفرّق بطل ذلك ، فثبت أن ذلك آية الفناء ، وما احتمل الفناء لم يجز كونه بنفسه . ويلزم أيضا احتمال الابتداء ، وليس لقول من يقول : يغيب عن الأبصار ولا يفنى معنى ، لما علم العالم بالبصر لا بالدلائل ، وبه يدّعى القدم ، فقد زال ذلك مع ما أنا بيّنا من وهنه ، ولا فرق بين حياة تفنى وبين ذاته ، ولا قوة إلّا باللّه .