أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
112
التوحيد
القوة ، على أنها لا تخلو من غير أن يكون غير الهيولى ، فهما اثنان ، وزعم أن الكمّ من باب العدد ، فلم يكن ثمة حدث ، وقد أوجب هنالك ، أو هي هيولى ، فيبطل قوله : هي مع الهيولى ، أو هي التي قلبت الهيولى ، وكأنها قلبت نفسها لا الهيولى . مع ما زعم أن تلك الأعراض اعترضت في الهيولى فحرّكته وسكّنته ، ودفعته وخفضته من غير أن كان ثمة غير إليه تتحرك أو فيه يسكن أو إليه يرتفع وينحط ، ووجود أمثال فاسد فيما عنه تولده ، فهي في أصله أشد فسادا . وزعم محمد بن شبيب أنه يسمي القوة حركة ، وفي روايته أنها لا توصف بما لا توصف به الهيولى ، وقد ذكر عنهم الآراء في الهيولى ، فلا أدري أيصح ذا أو لا ؟ إلا أن سمى القوة حركة وهي فيه ، فيبطل قوله : إن الهيولى لا يوصف بحركة إذ قد وصفه بها . ثم لا يخلو من أن يكون مماسة له أو مباينة عنه ، وأيهما قال ، فيه إثبات الجسمية والعرضية ؛ إذ البينونة والمماسة غير الذي يماس ويباين . ثم قول هؤلاء إن حدثت الجواهر من حركات الأصل ، وكذلك قول المنجمة ، ومعلوم وجود جواهر من علو وسفل ومن كل جانب ، على إحالة تلك الحركات المختلفة ، فثبت أن ذا باطل . وبهذا الفصل ناقضهم النّظام « 1 » : إنه إذا كان بقلب القوة الهيولى سبب حدوث الأعراض ، ثم هي تختلف كاللون والطعم والحرّ واللين ونحو ذلك ، فيحدث ذلك كله في وقت واحد وبحركة إنما هي تكون من جهة واحدة . فقيل : تكون من جهات . فزعم أن أكثرها ستة ، وقد يحدث الشر من اثني عشر من تلك الأعراض ، فثبت أن ذلك لتقليب القوة . على أن التقليب يكون من جهة ، والأعراض تكثر ، ثبت أن ذلك ليس بما ذكر . وعارضهم محمد بن شبيب بما الهيولى قبل حدوث الأعراض ليست بطويلة ، والأعراض ليست بطويلة فكيف صارت عند الوجود طويلة ؟ وكذلك العرض ، ولو جاز ذا لجاز أن يجمع بين ما ليس يخلو وما لا يخلو ، فيصير خلو ، ومثله في جميع الأعراض كلا سواد ولا سواد . فأجاب عنهم بالنورة والزرنيخ ، أن كل واحد منهما على الانفراد لا يحرق ، وعند الاجتماع يحرق . فيقال : ما يبعد أن يكون أحدهما يحرق لكن فيه ما يمنع عن الإحراق ، وفي الآخر ما يمنع هذا المانع عن المانع فيحرق ، لا أن لم يكن فيه
--> ( 1 ) النظّام : هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام أحد أئمة الاعتزال في البصرة ، توفي سنة 221 ه ، وقيل سنة 231 ه . وقال عنه الجرجاني : هو من شياطين القدرية ، طالع كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة . ( إبراهيم بن سيّار النظام لمحمد عزيز سالم ، دار علاء الدين - دمشق ) و ( التعريفات ) للجرجاني .