أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

111

التوحيد

هذا الخيال الذي لا يصير عليه عقل ولا يستجلبه هوى ، واللّه المستعان . ولولا ذلك ما الذي كان يعرّفهم أن ابتداء العالم ما ذكر ؟ ثم اسمه الذي وصف ليس فيه ثمة ما ذكر ، وعمله الذي نعت ليس في جوهر العالم دليله ولا في السمع احتماله ، لكنهم سمعوا قول أهل التوحيد في وصف اللّه بالذي وصفوا به الهيولى عندهم ، ولم ينظروا فيما ألزمهم القول به ، فرجعوا فنقضوا ما قد أثبتوه ؛ إذ صيّروا الذي لذاته خارج عن احتمال الأعراض ممتنع عن معنى الجواهر جوهرا ثم جوهرا ثم جواهر ، ثم صار بحيث لم يبق من أوليّته أثر ، وما بقي مما انتهى أمر العالم من القديم والحديث إلا الجواهر والأعراض ، وذهب الذي لم يكن بهذا الوصف ، فيكون في ذلك فناء العالم بنفسه ، واستحالة القديم بذاته بأعراض قهرته وأفنته مما لا قيام لها بنفسها ، ويكون في ذلك القول بحدث جميع العالم ، الذي دفعهم عظم هذا القول إلى ذلك الخيال ؛ إذ كل ما هو مأخوذ إنما هو عرض وجوهر ، ولم يكن الأول ، ثم يبطل قوله إذا سمى نفسه حكيما ألزم غيره الصدود عن رأيه واتباع هواه بعد قوله : إن الأصل الذي منه كان جاهلا سفيها ، وأن الأعراض هي أغيار ولّدتها القوة السقيمة التي لا حكمة فيها ولا علم لديها ، وهو أحد أبنائها الذي لم ينل شيئا إلا بها ، فمن أين قدّم نفسه عليها . وإذا جاز كذلك ، من غير أصل له به ، صار كذلك ، فليقل في جميع العالم بمثل الذي قال بنفسه . ثم لا يخلو القوة التي هي قلبت الهيولى من أن يكون لها سلطان عليها بمائها قلبتها ، فليقل هو في اللّه سبحانه أنشأ الهيولى أو ما شاء على وجه ، فيقبل التقليب ويقوم به التركيب ، ثم ليسمّ بما شاء هو على فناء ما قلبه ، فإذا بطل الأصل الذي به العالم وهلك ، مع الإحالة أن يهلك القائم بذاته ليكون بهلاكه انقلاب غير وقيامه ، مع ما يكون في الهيولى تلفها ، فتصير هي بلا قوة التقليب ، فيكون في ذلك إبطال العالم وتقلبه من حال إلى حال دائما ، فدل وجوده على فساد هذا الأصل . مع ما في الشاهد أن لا يوجد شيء يصير بحيث يصلح لشيء لم يكن يصلح إلا بحكيم يجعله كذلك ، فثبت أن ابتداء العالم إن صلح أن يحتمل كون هذه الجواهر والأعراض كان كذلك ، كل على جعله كذلك . وبعد ، فإن القوة إذ هي قلبته بالطبع فهي غير مفارقة عنه ، فما بالها خلت عن عملها في القدم ، وذو الطبع لا يخلو عن عمله في الشاهد . على أن الأعراض التي أحدثت إما أن كانت في الهيولى فيبطل قوله : كانت خالية عنها حتى حدثت ، أو لم يكن فحدثت من غير شيء ؛ إذ وصف القوة بما وصف به الهيولى ، ولم يكن فيه أعراض ، فثبت أيضا كونها لا عن شيء ، وهذا المعنى ألزمهم بالقول الذي قالوا ، فبطل بحمد اللّه . على أنه أمكن القلب عليهم في كل ما قالوا للقوة أن يجعل ذلك للهيولي في