ميرزا حسنعلي مرواريد

98

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

فهل مقتضى قوله : ليس في الدار غيره ديّار غير ما ذكرنا ؟ . وأمّا فطرة فلأنّه مخالف للمكاشفة الظاهرة التي تحصل للمؤمن والكافر في البأساء والضراء ، وقد حكم اللّه تعالى بصحّتها في غير واحد من الآيات المباركات ، نحو قوله : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ « 1 » . ومخالف أيضا للمكاشفة التي قد تحصل للمؤمن في بعض عباداته ودعواته ، حيث يترنّم فيها بقوله : أنت الخالق وأنا المخلوق ، وأنت الرازق وأنا المرزوق ، وأنت الربّ وأنا العبد ، وأنت المالك وأنا المملوك . . . ، إلى غير ذلك من العبارات الحاكية طبعا أنّ المتكلم بها لا يرى نفسه جلوة من جلوات الحق المتعالي ، بل يراه غيره ، ولذا يتضرع إليه ويستغفر من ذنوبه . وأمّا نقلا فلأنّ جميع الآيات المباركات - ولا سيّما نحو قوله : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ « 2 » . و كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها « 3 » ، تدلّ بدلالة الاقتضاء على غيريّة المنزل والمنزل إليه وفيه ، بالغيرية الحقيقية لا اعتبارية . وكذلك الروايات المباركة الصادرة عن المعصومين المستفيضة - بل المتواترة معنى - الدالة على المباينة والمغايرة بمعناها الحقيقي بين الخالق والمخلوق ، والدالة على أنّ المخلوق خلق لا من شيء . وخصوص قول أمير المؤمنين عليه السّلام في جواب الأعرابي الذي سأل عن معنى الواحد أنّه تعالى : لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم « 4 » ، فهل تقسيم حقيقة الوجود إلى مقام الأحدية والواحدية وما دون ذلك خارج عن التقسيم ولو في الوهم كما ذكرنا ؟ وخارج عن قول الرضا صلوات اللّه عليه في خطبته : يوحّد ولا يبعّض « 5 » ، وعن قول الإمام الباقر صلوات اللّه عليه : كلما ميّز تموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم ومردود

--> ( 1 ) - العنكبوت 65 . ( 2 ) - المائدة 64 . ( 3 ) - النساء 56 . ( 4 ) - راجع ص 92 . ( 5 ) - راجع ص 92 .