ميرزا حسنعلي مرواريد
169
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
عاقبه على تركه ، ولا ينسبه العقل إلى الظلم ، ولا يقول : إنّه أجبره على ترك الفعل ، كما أنّه لو زاد في ألطافه ومننه بتواتر بعث من يحثّه على الطاعة ويرغّبه فيها ويحذّره من تركها ، فأطاع بقدرته واختياره ، لا يقول العاقل : إنّه أجبره على الفعل ، كما أنّه لا يرى بأسا لو فعل تلك الألطاف إلى بعض عبيده وتركها بالنسبة إلى آخرين لعلّل لا يصل إليها علمنا . وبالجملة : القول بهذا الأمر الثالث لا يوجب نسبة الظلم إلى اللّه تعالى ، بأن يقال : أجبرهم على المعاصي وعذبهم عليها ، كما قال به المجبّرة ، ولا استقلال العباد واستغناءهم في حركاتهم وسكناتهم عن اللّه ونسبة الوهن إليه تعالى وعزله عن ملكه كما قال به المفوّضة . وبه يصحّ التكليف وبعث الرسل والوعد والوعيد والثواب والعقاب والشكر على الإيمان والطاعة للّه ، والاستعانة به وطلب التوفيق منه ، والخوف من الخذلان ومن العقاب ، وغير ذلك مما ورد في القرآن المجيد وفي كلام المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وبدونه يلزم الظلم والعبث ولغويّة جميع ما ذكرنا . ومنه يظهر أنّ نفي التفويض من أجل أن مبادي الفعل ومقدماته الخارجية والداخلية وغيرها من العلل التكوينية حتى القدرة كلها من اللّه تعالى ، والعبد قبل العمل ومع العمل حدوثا وبقاء من أوله إلى آخره محتاج إليه تعالى ، والقدرة على كل عمل إنّما تفاض على العبد قبل ذلك بالقبلية الرتبية . ونفي الجبر من أجل أنّ القدرة واردة على جميع تلك المبادي والعلل والدواعي وحاكمة عليها ، وأنّه بإفاضتها تصير نسبة العبد إلى الفعل والترك من جهة السلطنة عليهما على السواء ، ويكون المرجّح والعلّة لكلّ واحد من الفعل والترك المتساوية نسبتهما إلى الفاعل هو مشيئته ، والمشيئة منتهية إلى نفس الفاعل القادر ، فهو المخصّص والمرجّح لأحد المتساويين على الآخر من جهة السلطنة ، ولا يحتاج في ترجيح أحدهما على الآخر وفي تمامية العلة له إلى غيره ، وإلى غير مشيئته ، والمشيئة فعله الصادر منه بعد تمام المقدمات ، وبعد تمام الدواعي ، فهو الفاعل للفعل لا خالق المقدمات ، وموجد الدواعي ومفيض القدرة ، وبه تتم الحجة .