ميرزا حسنعلي مرواريد

135

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

يجعل فيهم آثار صنعه وحكمته وقدرته ، ويمكّنهم في الدنيا من معرفة دلائله . فيكون ذلك بمنزلة إشهادهم على ربوبيته وأخذ الإقرار منهم عليها . وبعبارة أخرى : إنّهم يشهدون ويقولون بلسان الحال : بلى ، نظير قوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 1 » ، وكما يقول القائل : جوارحي تشهد بنعمك . أو يحملان على معناهما الحقيقي ولكن يقال بأنّ المراد من ذرّيّة بني آدم خصوص أولاد المشركين ممّن أكمل عقولهم وأرسل إليهم الأنبياء ، فآمنوا بهم وأقروا بالربوبية للّه تعالى . وهو الذي نسبه الطبرسي إلى الجبائي والقاضي « 2 » . أو يقال : إنّ المراد جماعة من ذرية بني آدم ، وهو خصوص قوم خلقهم اللّه وأشهدهم على أنفسهم بعد أن أكمل عقولهم وأجابوه ب « بلى » ، وهم اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه ، ولا يكون ذلك عاما في جميع العقلاء . وفيه : أنّ جميع ما ذكر مخالف لظاهر الآية المباركة من جهة ظهورها في إخراج جميع العقلاء من ذريّة بني آدم ، لا خصوص المؤمنين بالأنبياء ، ولا خصوص من لهم آباء مشركون ، كما أنّ المناسب لإرادة السنة المستمرة التعبير بالفعل المضارع ، نظير قوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً « 3 » ، و يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ « 4 » ، ونحوهما ، ولا يناسبه التعبير بالفعل الماضي . مضافا إلى أنّه طرح للروايات الكثيرة . ومنه : أن ما استظهر من الآية المباركة ومن الروايات المباركات معارض لقوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ « 5 » ، و أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ « 6 » ، وأمثالهما من الآيات ، فلو كان مخلوقا قبل ذلك فلا يكون مخلوقا من ماء

--> ( 1 ) - فصلت 11 . ( 2 ) - مجمع البيان 2 : 498 . ( 3 ) - الروم 24 . ( 4 ) - الرعد 39 . ( 5 ) - الطارق 5 ، 6 . ( 6 ) - المرسلات 20 .