ميرزا حسنعلي مرواريد

127

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

الدعاء : يا من أذاق أحبّاءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين « 1 » . تنبيه لا بدّ منه جدّا مما يظهر للإنسان في تلك المكاشفة التي صرّح بها في الآيات المتقدمة مباينته لمن يتوجّه إليه ، ومغايرته بلا عزلة ، لا الوحدة التي يزعمها الصوفية حتى أكابرهم المسمّون بالشامخين ، كيف وهو يرى نفسه سائلا ، عاجزا ، ذليلا ، مسيئا ، مقصّرا . ويرى محبوبه الذي يسأله ويتضرع إليه قادرا ، قاهرا ، منزّها ، غفورا ، وهكذا . وما في كلماتهم ومن يحذو حذوهم في هذا المقال من دعوى الفناء في اللّه ، إن كان المراد هو نفي الإنّيّة والميز واقعا ، كما في فناء القطرة واستهلاكها في البحر عند وصولها إليه ، فهذا - مضافا إلى امتناعه ذاتا ، لما مرّ من المباينة التامّة بين المخلوق الحادث واقعا لا من شيء الذي حقيقته الشيئية بالغير والظلمة ، وبين الذات الأزلي الأبدي ، القائم بذاته ، الشيء بحقيقة الشيئية ، والنور المحض - مخالف لما نجده من أنفسنا في حال المكاشفة الحاصلة لنا في بعض عباداتنا وفي حال البأساء والضراء المذكورة في غير واحدة من الآيات والروايات المباركات المتقدم ذكرها ، ولا أثر منه في كلام المعصومين الذين هم أعرف الخلق باللّه تعالى شأنه ، بل التعبيرات المروية عنهم صريحة في المباينة والغيرية الحقيقية . وكذلك لفظ الوصول واللقاء وأمثالهما ظاهر في وصول الحبيب إلى حبيبه ولقائه إيّاه لا الاندكاك والاستهلاك والفناء فيه . وإن كان المراد هو الاعتقاد ورؤية نفسه أنها كذلك - كما هو ظاهر كلمات بعضهم - فمرجعه إلى اعتقاد أنّ حقيقته ليست إلّا الوجود الحقّ المتعيّن . ووجه عروض تلك الحالة على الإنسان ليس إلّا غمض العين عن تعيّن نفسه وسائر التعيّنات ، وعطف توجهه إلى صرف الوجود الذي توهّموا أنّه الحق المتعالي ، وهذا معلول التلقينات الباطلة التي لا حقيقة لها أصلا ، وليست مكاشفاتهم إلّا تجلّي ذلك الاعتقاد وتلك الحالة عند اشتغالهم بالذكر ، وفي مناماتهم التي يسمّونها بالواقعة ، وظاهر أنّ المنام بعضه أضغاث أحلام ، ولذا

--> ( 1 ) - البحار 98 : 226 ، عن الإقبال ( دعاء يوم عرفة ) .