ابن عبد الرحمن الملطي
94
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
يتكلم ؟ أليس هو المخبر : ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) [ 369 ] وقوله لعيسى عليه السلام : ( أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) [ 370 ] فقال عيسى عليه السلام الحق ولم يدع كذبا ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ) [ 371 ] . ويقال للجهمية أيضا : خلق السماوات والأرض و ( خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً ) [ 372 ] وقال في كتابه : ( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ) [ 373 ] وقال : ( خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) [ 374 ] فهل وجدتم في كتاب الله عز وجل أنه يخبر عن القرآن أنه خلقه كما خلق هذه الأشياء ؟ أليس الله عز وجل يقول : ( بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ ) [ 375 ] و ( رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ) [ 376 ] وقال : ( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) [ 377 ] فهل قال في القرآن رب القرآن كما قال لهذه الأشياء انه ربها أو هل تجد شيئا في سنن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أن الله خلق القرآن وهو ربه بل قال : « دعوا كل شيء مبتدع إذا أتى آت بشيء ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله فدعواه باطل » . ألا ترى أن الجهمية ينبغي أن يقال لهم في دعواهم : ( إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ) [ 378 ] و ( جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ ) [ 379 ] إن جعل في القرآن على معنيين على خلق وعلى غير خلق . فالذي على خلق لا يكون إلا على خلق ولا يقوم إلا مقام خلق ، ولا يزول عنه المعنى والّذي على غير الخلق لا يكون خلق ولا يقوم إلا مقام الخلق ، ولا يزول عنه المعنى . وقد ذكر الله عز وجل المخلوقين ولكل جعل في القرآن طريق ومذهب . فالذي ذكر الله من جعل المخلوقين قوله : ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ، أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ) [ 380 ] وذلك أنهم وصفوا الملائكة أنهم إناث وقوله : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) [ 381 ] ووصفوا أن لله شركاء . وقال : ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) [ 382 ] وذلك أنهم قالوا إن القرآن شعر وأساطير الأولين ، يقول سموه بأشياء ، وقال : جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) [ 383 ] فهذا خبر عن فعل من أفعالهم . وقال : ( حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً ) [ 384 ] فهذا أيضا خبر عن فعل .