ابن عبد الرحمن الملطي
95
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
ثم ذكر جعل منه على معنى الخلق ، فقال : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) [ 385 ] يقول : خلق الظلمات والنور فأوقع اسم الخلق على الظلمات والنور . وقال ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ) [ 386 ] فأوقع ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ) [ 387 ] ، ( وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) [ 388 ] يقول وخلق الشمس سراجا ، ومثله في القرآن كثير أذكره في آخر الكتاب إن شاء الله في باب الحجاج . واعلم أن كل ما وقع عليه اسم الخلق هو موجود في ذاته ، ثم ذكر الجعل على غير معنى الخلق فقال : ( ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ 389 ] لا يعنى ما خلق إله من بحيرة . وقال لإبراهيم عليه السلام : ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) [ 390 ] لا يعنى بذلك خالقك ، لأن خلق إبراهيم عليه السلام قد تقدم وقول إبراهيم عليه السلام : ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ) [ 391 ] لا يعنى اخلقني وكذلك قال الله عز وجل لأم موسى عليه السلام : ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ 392 ] فمعناه التصيير وقوله : ( لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ) [ 393 ] لا يعنون : لا تخلقنا فتنة وقوله : ( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) [ 394 ] وقوله : ( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ ) [ 395 ] وقوله : ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) [ 396 ] ومثله في القرآن كثير ، وما يكون على مثاله لا يكون على معنى الخلق . وأما قوله : ( وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً ) [ 397 ] فمعناه أنزلناه نورا . ومصداق ذلك قوله عز وجل : ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا ) [ 398 ] وقال : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) [ 399 ] ، وقال : ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ 400 ] ، وقال : ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ ) [ 401 ] والجعل في القرآن على وجوه ، يعلم ذلك أهل العلم والمعرفة بالله وبكتابه ويجهله من جهل عن الله وكتابه . فأما قوله : ( إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ) [ 402 ] ، بعد ما خلقهم ، وقال : ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا ) [ 403 ] بعد ما خلق لهم جعل لهم ظلالا .