ابن عبد الرحمن الملطي

45

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

الخواص في المواطن المختلفة . فأما تفسير ( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ) : فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الخلائق من قبورهم فلا أنساب بينهم في ذلك الموطن ولا يعطف بعضهم على بعض قريب لقرابته حتى ينجو من الحساب إلى الجنة ولا يسأل بعضهم بعضا ، فذلك قوله جل ثناؤه : ( وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) [ 91 ] وذلك قوله : ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) [ 92 ] ، فإذا صاروا إلى الجنة ( أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) إذا رأى بعضهم بعضا ؛ فهذا تفسيرها . وأما قوله جل ثناؤه : ( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ 93 ] ، وقال في آية أخرى : ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) [ 94 ] ، فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا حيث قالوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ، وليس بمنتقض ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة . فأما تفسير قول المشركين حيث قالوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فإنهم لما نظروا يوم القيامة إلى ما يصنع الله بأهل التوحيد من الكرامة ، وكيف يتجاوز عن مساوئهم ويشفع فيهم الملائكة ، والنبيون ، والمؤمنون بعضهم في بعض ، قال المشركون عند ذلك : تعالوا نكتم الشرك ، فلما سئلوا : ( أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ ) قالوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ، فلما كتموا الشرك ختم الله على ألسنتهم واستنطق جوارحهم وأيديهم وأرجلهم فذلك قوله : ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ) يعنى بعد ما كتمت الألسن الشرك ( وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) بالشرك ( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [ 95 ] ، يعنى بما كانوا يعملون ، وقال في حم السجدة : ( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ، وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ) [ 96 ] يعنى بما كنتم تعملون من الشرك ، فذلك قوله في سورة النساء : ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا