ابن عبد الرحمن الملطي
46
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) [ 97 ] يعنى يودون حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك لو سويت بهم الأرض فدخلوا فيها ، ثم ذكر الجوارح فقال : ( وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) يعنى بالجوارح الأيدي ، والأرجل ، والأسماع ، والأبصار ، والجلود ، ولا يكتمون الله الشرك فيشهدون به عليهم عند الله ، فذلك قوله ( وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) يعنى بالجوارح ، وذلك قوله : ( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) [ 98 ] يقول : بل جوارح الكافر على نفسه شاهدة بالشرك ، فلما شهدت الجوارح بما كتمت الألسن من الشرك أطلق الله الألسن فنطقت بعد ذلك فقالت للجوارح . وبيان ذلك في حم السجدة : ( وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ 99 ] في الدنيا ثم اعترفت الألسن بعد ذلك بالشرك ، فلما سألتم الخزنة عند دخول النار في سورة الزمر قالوا : ( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا : بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ) [ 100 ] ، وذلك قوله في تبارك الملك : ( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) [ 101 ] ، فلما أقروا على أنفسهم بالشرك والتكذيب يقول الله عز وجل للنبي ص : ( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ) [ 102 ] يعنى تكذيبهم الرسل فيما جاءت به من التوحيد وغيره ؛ فهذا تفسيرهما . وأما قوله جل ثناؤه : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ ) [ 103 ] ، وقوله : ( يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ) [ 104 ] ، وقوله : ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً ) [ 105 ] ، فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا وليس بمنتقض ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة . فأما تفسير ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ) فإنهم من أول ما بعثوا من القبور نظروا إلى ما كانوا يكذبون به في الدنيا من البعث استقلوا مكنهم القبور فتشاوروا بينهم وقالوا : ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ) يعنى ما لبثتم إلا عشر ليال ، ثم استكثروا عن أفعال أمثالهم وأبوا في أنفسهم ( إِنْ لَبِثْتُمْ ) يعنى ما لبثتم ( إِلَّا يَوْماً ) يعنى يوما واحدا من أيام