ابن عبد الرحمن الملطي

123

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

ثم بكى رسول الله فبكينا لبكائه وقلنا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال : « رحمة لهم الأشقياء لأن فيهم المتعبد وفيهم المتهجد مع أنهم ليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعا ؛ إن عامة من هلك من بني إسرائيل بالتكذيب بالقدر » قلت جعلت فداك يا رسول الله قل لي كيف الإيمان بالقدر ؟ قال : « تؤمن بالله وحده ، وأنه لا يملك أحدا معه ضرا ولا نفعا ، وتؤمن بالجنة والنار ، وتعلم أن الله خلقهما قبل خلق الخلق ، ثم خلق الخلق ، فجعل من شاء منهم إلى الجنة ، ومن شاء منهم إلى النار ، عدلا ذلك منه ، وكل يعمل لما قد فرغ له منه وهو صائر إلى ما قد خلق له » [ 509 ] قلت : صدق الله ورسوله . وعن ابن عباس : إن الله عز وجل أول ما خلق القلم ، ثم خلق النون وهي الدواة ثم خلق اللوح ثم قال للقلم : اكتب فقال : وما أكتب يا رب قال : اكتب القدر . وخلق الدنيا وما فيها ، وما يكون في الدنيا من خلق مخلوق ، أو عمل معمول من بر أو فجور ، أو رزق حلال أو حرام ، أو رطب أو يابس ، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه وما بقاؤه وما فناؤه حتى تفنى الدنيا ، ثم جعل لذلك الكتاب ملائكة ، وجعل للخلق ملائكة ، فينطلق ملائكة الخلق إلى ملائكة الكتاب ، فيقولون : اللهم انسخ بما هو كائن في الليل والنهار وبما وكلوا به فيهبط ملائكة الخلق إلى الخلق ، فيحفظونهم بأمر الله ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ ، فإذا فنيت تلك النسخ لم يكن لهذا الخلق بقاء ولا مقام وذلك قول الله عز وجل : ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 510 ] فقال رجل لابن عباس : والله ما كنا نرى ذلك إلا نسخ أعمالنا قال ابن عباس ألا تستحيون ألستم قوما عربا هل كانت النسخ قط إلا من كتاب مكتوب ؟ فوالله إن الله عز وجل ليبعث الملك فيدفع إليه صحيفتان إن إحداهما لمختومة ، والأخرى المنشورة فيقال له : اكتب في هذه ، ولا تفتح المختومة ولا تكسر لها خاتما ، فإذا صعد فك الخاتم ثم عارض ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، وذلك قوله عز وجل : ( وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) [ 511 ] ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم » وقالت عائشة رضي الله عنهما : أوتى رسول الله بصبي من الأنصار ليصلى