ابن عبد الرحمن الملطي
11
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
في رحمته من يشاء لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما * إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) [ 20 ] . فكانت حميتهم أنهم لم يقولوا إنه نبي ، ولم يقروا بسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينه وبين البيت . قال أبو الحسين الملطى رحمه الله : إنما سقت هذا الحديث وما أشبهه لتعرف كيف كان بدء هذا الدين ، وتعلم المشقة فيه ، وما لقى رسول الله صلّى اللّه عليه وآله من جهال قومه ، وكيف كانت قلوب المؤمنين من التعزيز والتوقير ، وكيف لم يلوهم عن الحق أحد ، ولم يؤثروا على الله شيئا ، وبلغ المكروه ما قد تسمع بعضه . فأين أنت يا بطال من هؤلاء السابقين ، وابن عملك من أعمالهم ، وهل بقي عمل لعامل في عصرنا هذا بوقت أو لحظة من أوقاتهم وسبقهم ، وإنما نالوا الشرف بسبقهم إلى الإسلام وبذلهم النفوس ، والكل في الله حتى أيد الله بهم نبيه صلّى اللّه عليه وآله ، وأظهر بهم دينه ، وأعلن بهم الحق ، وأظهر بهم الصدق ، فكيف يجسر على الطعن عليهم من عرف الله ساعة من عمره أم كيف يجترئ على سبهم من يزعم أنه مسلم ، والله سبحانه وتعالى يقول : ( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) [ 21 ] فأين أنت وأين لك وأهل عصرك من هؤلاء هيهات أن تدرك بعض شأنهم أو أن تبلغ مد أحدهم أو نصيفه ، فكيف وأنت ترجع في أمرك كله إلى عقلك الفاسد ، ورأيك الأعرج ، فتقول : قد فعل فلان ، ولم كان ، وممّ كان ، وأنت يا جاهل قد ضارع قولك قول إبليس حين قاس فقال : ( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) [ 22 ] ، فأنت تعارض كما عارض وليك الشيطان . ثم من أدل الأدلة أنك لو تقطعت واجتهدت لم يصح لك أصل تعتمد عليه إلا أن تكذب وتنقل الكذب لتستريح إليه ولا راحة لكذاب ، والله عز وجل يقول : ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) [ 23 ] أي لعن