أبو الثناء محمود الماتريدي

170

التمهيد لقواعد التوحيد

وبإحالاته المتنوّعة والنافعة . ومن أهمّ ما جاء فيه أن الأصمّ يعدّ من المعتزلة وإن كانت كتب طبقاتهم تعتبره أجنبيّا عنهم . فلقد كوّن في البصرة في الرّبع الأخير من القرن الثاني حلقة خاصّة به . أمّا أبو الهذيل العلّاف فكان يلقّبه بالخربان ، وهي كلمة فارسيّة تطلق على سائق الأحمرة ، لضعة نسبه ولربّما لعلاقته بالإباضيّة . وعلى كلّ فلقد كان له صيت في البصرة قد تفسّره غزارة إنتاجه إذ عدّ له ابن النديم ستّة وعشرين كتابا لم يصلنا منها شيء . وكلّها في العقائد والفقه . وكان إلى ذلك فصحيا . وله مع بعض المعتزلة نقط شبه تتمثّل في نقضه المتكرّر للمجبرة وفي آرائه في التوحيد . ولكنّه يبتعد عنهم إذ لم يقل بالمنزلة بين المنزلتين فيعتبر الفاسق مؤمنا باقيا على إيمانه لتوحيده اللّه وأعماله الخيّرة ، وإن كان يخلّد في العذاب . وعمدة الأصمّ في هذا لا الكتاب بل إجماع الأمّة . وكان لا يتّفق معهم كليّا في القول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ كان يعتمد تأويلا خاصّا للقرآن . والملاحظ أنّه قال بخلق القرآن في زمن لم يخض فيه بعد المعتزلة في هذه المسألة . ثم إنّ ما عرف به خاصّة هو رفضه القول بالأعراض ، فالأجسام في نظره هي وحدها المرئيّة ، وأمّا الصّفات التي تعتريها فلا بقاء لها بذاتها إذ ليس لها وجود مستقلّ . وشهر أيضا بنظريّاته الطريفة في الإمامة ، فهي ليست واجبة إذ المجتمع الأمثل هو الذي باستطاعته الاستغناء عنها ، ذلك أنّ العقل والنقل لا يقرّران وجوب الحكم ولكنّهما يعتبران صلاحه لمقاومة ظلم الإنسان ، ثم إنّ اختيار الإمام لا يكون إلّا عن إجماع إذا انعقد استحال عزله ، حتّى وإن تقدّم إلى الإمامة من هو أفضل منه ، وهكذا فلا يحلّ الخروج عليه إلّا إذا ثبت ظلمه في استحواذه على الحكم وتأكّد حصول الثائر على إجماع الأمّة . وبهذا الاعتبار ثبتت إمامة أبي بكر ثم عمر إذ كانا الأفضلين عند تولّيهما الإمامة . وبعد عمر ثبت الحكم لعبد الرحمن بن عوف إذ كان الأفضل ، ولكنّه تخلّى عنها لفضله فكان عثمان من