خواجه نصير الدين الطوسي

39

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

وحين حصول المنتقل إليه بتمامه لم يبق الانتقال ، بل ينقطع . وظاهر أنّ حالة حصول الانتقال لا بدّ وأن يكون متوسطا بين المنتقل عنه والمنتقل إليه . فوجب أن يكون خارجا عن حدّ العدم الصّرف وغير واصل إلى حدّ الوجود الصّرف . أقول : الأخذ في الانتقال وانقطاع الانتقال لا يصحان الّا إذا كان الانتقال واقعا في شيء موجود بالتدريج كالحركة . أمّا إذا كان الانتقال من لا شيء فلا يكون هناك أخذ ولا انقطاع ، والمتوسّط بين المنتقل عنه والمنتقل إليه لا يعقل الّا إذا كانا موجودين وهاهنا لمّا لم يكن المنتقل عنه ثابتا ، فلا ثبوت للانتقال أصلا . والموصوف لا ثبوت لصفة له ، الّا إذا كان أصل الثبوت له ، فاذن لا توسّط بين الوجود والعدم . قال : فهذه الاشكالات قطرة من بحار الاشكالات الواردة على قولنا : « الشّيء امّا أن يكون وامّا أن لا يكون » . وإذا كان حال أقوى البديهيّات كذلك ، فما ظنّك بالأضعف . أقول : هذه الاشكالات لا تشكك غير الأذهان التي تعوّدت التقليد ولم تألف النّظر في الحقائق ، والنّاظر المميّز لا يشكّ في أنّها أغلاط ومغالطات . قال : الحجة الثانية لمنكري البديهيّات أنّا نجد العقل جازما بأمور كثيرة ، كجزمه بالأوليات ، مع أنّ الجزم غير جائز فيها . وذلك يوجب تطرّق التّهمة إلى حكم العقل . بيان الاوّل من وجوه : أحدها انّا إذا رأينا زيدا ، ثم غمضنا العين لحظة ، ثمّ فتحناها في الحال وشاهدنا زيدا مرة أخرى ، جزمنا بأنّ زيدا الّذي شاهدناه ثانيا هو الّذي شاهدناه أوّلا ، وهذا الجزم غير جائز ، لاحتمال أنّ اللّه تعالى أعدم الزّيد الاوّل في تلك اللحظة الّتي غمضنا العين فيها وخلق في الحال مثله ، هذا على مذهب المسلمين . وأمّا على مذهب الفلاسفة فلعلّه حدث شكل غريب فلكيّ اقتضى هذا النّوع من التّصرف في هيولى عالم الكون والفساد ، وهو وان كان بعيدا جدّا لكنّه جائز عندهم . وعلى هذا